بقلم: ابتسام مشكور
أتدرين ما الوطن يا صفية؟
السؤال الذي طرحه غسان كنفاني في لحظة اغتراب وجرح قبل نصف قرن، ما زال يلاحقنا اليوم بالمرارة نفسها والقسوة عينها. نحن نرى ملايين المغاربة يعودون إلى الوطن، ثم يغادرونه بآمال معلقة وانتظارات يائسة: آمال بأن ينصت إليهم هذا الوطن، ويحتضن كفاءاتهم، ويعوضهم عن البعد الذي يتكبدونه وهم يحملون المغرب في قلوبهم. ولم لا أن يرد على تحيتهم بـ”12 مليار أورو” من التحويلات سنويا بما هو أغلى وأكثر قيمة: حب ودفء واعتراف، ولو متأخر.
قبل عام، وتحديدا في نونبر الماضي، خاطب الملك محمد السادس مغاربة العالم بكلمات دافئة، كأب يفخر بأبنائه. أشاد بوفائهم، بتمسكهم بهويتهم، وبالدفاع عن مقدسات وطنهم. ثم وضع أمامهم وعدا بإعادة هيكلة مؤسسات الجالية المغربية المقيمة بالخارج. بدت خارطة الطريق واضحة:
• مجلس الجالية المغربية بالخارج كمؤسسة دستورية للتفكير والبحث والاقتراح والتقييم.
• المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج كذراع تنفيذي يجمع الصلاحيات المتفرقة ويطلق استراتيجية وطنية للنهوض بأوضاع الجالية.
مع التزامات دقيقة بالرقمنة، وتعبئة الكفاءات، وفتح آفاق الاستثمار. لكن شيئا من هذا لم ير النور إلى اليوم.
تعطيل غير مفهوم، وتلكؤ غير مبرر، خاصة وأن التوجيه نازل من أعلى سلطة في البلاد. مجلس الجالية انتهت مدة انتداب أعضائه منذ 2011، ولم يتحرك أحد للتجديد له أو حله. مؤسسة الحسن الثاني لم تجدد مجلسها الإداري منذ ربع قرن. أما المؤسسة المحمدية التي بُشر بها المغاربة، فعلمها عند الله. يعني المؤسسات المعنية بستة ملايين مغربي حول العالم متوقفة تماما.
أتساءل: كيف ستبرر الحكومة عدم تنزيل تعليمات الملك؟ بماذا سترد على أسئلة البرلمانيين والصحافيين والرأي العام؟ دعك من شعب المهاجرين الذي لا يسأل أحد ولا يسأله أحد. لا يمكن للحكومة أن تبرر هذا التقاعس بصعوبات تقنية أو أعذار إدارية، فهذا لا يستقيم.
لماذا؟
أولا: لأن التعليمات الملكية لم تكن رسالة بروتوكولية أو توجيهات أدبية شكلية، بل كانت أوامر والتزامات وسياسات عمومية واجبة التنفيذ. فلا مجال للتعامل معها كملف عادي يمكنه الانتظار إلى ما لا نهاية. هذا استهتار بتوجيهات أعلى سلطة في البلاد!
ثانيا: الأمر يتعلق بستة ملايين مغربي بالخارج “يضخون في الاقتصاد الوطني أزيد من 117 مليار درهم سنويا”. هذه أعلى كمية من العملة الصعبة تضخ في خزينة الدولة والأبناك، من جهة تساعد في تغطية العجز التجاري، ومن جهة تضيف إلى الناتج الداخلي الخام نسبة معتبرة. فكيف نبقي أصحاب هذه التضحية بلا مؤسسات تؤطرهم، أو سياسات تحفزهم، أو انتخابات يشاركون فيها ويدافعون من خلالها عن مصالحهم في الداخل والخارج؟
حتى يكون في علم الحكومة: إن ارتباط الجيل الجديد بالمغرب مختلف كليا أو جزئيا عن ارتباط الجيل القديم “هذا الأخير كان مقدور عليه”.
الجيل الجديد لم يعرف معنى أن تنتظر الأم الحنونة قدومه في عطلة الصيف لزيارة الخالات والعمات والأحباب وهي تحمل لهم القهوة والحلوى القادمة من أوروبا.
لم يعرف ابنة العم التي تنتظره أحد عشر شهرا ليأتي ويساهم ماليا في إقامة عرسها وشراء جهازها.
ولم يعرف العائلة التي لا تزور حامة مولاي يعقوب أو عين الله إلا مرة في السنة حين يعود ابنها المغترب على متن سيارة جديدة أو قديمة.
هذه الصور وذلك التراث، الذي شكّل ذاكرة جيل كامل، لم تعد جزءا من مخيال جيل Z البراغماتي، الذي يعيش أولوياته وإيقاعه الخاص في بلدان الإقامة الأوروبية والأمريكية.
لذلك، لم يعد ممكنا التعويل على العاطفة أو الثقافة أو الروابط الأسرية وحدها. هذه ستتلاشى مع الزمن إذا لم تواكبها سياسات عمومية وخطاطات براغماتية فيها حقوق وواجبات.
في النهاية، لن يبقى صامدا في علاقة الوطن مع الجالية إلا ما هو عقلاني وملموس:
– تمكين هذه الأجيال من المشاركة في القرار السياسي.
-فتح آفاق استثمارية واضحة أمامهم في بلادهم بعيدا عن الفساد والرشوة والبيروقراطية القاتلة.
-إقامة خدمات قنصلية متطورة في بلاد المهجر.
-تأطير ثقافي وديني معقول.
ما عدا ذلك؟ سيذوب الجيل الجديد في بلدان الإقامة وإيقاعها وثقافتها وأولوياتها، ولن يعدو رباطهم بالوطن سوى على منصات سياحية تقدم لهم مراكش كوجهة غير مكلفة، مثل أي سائح لا تغريه إلا الشمس، وطيران اقتصادي، وخدمات فندقية.
الوطن يا صفية، ليس بطاقة سياحة.
الوطن يا صفية، حضن دافئ، ورعاية قريبة، وأمان محسوس طوال السنة لأبنائه.
لا نريد أن يطرح مغاربة العالم، في المطارات والموانئ، في مقاهي مدريد وباريس وبروكسيل، وفي المكالمات على تطبيق “واتساب”، بقية سؤال كنفاني:
أتدرين ما الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.
الوطن يا صفية، أحاسيس وعواطف وقيم تلبس ثوب سياسات عمومية، والتزامات قانونية، وإدارة سياسية. أما الباقي، فدعاية رخيصة، حتى ولو دفعت فيها الحكومة المليارات.
الوطن هو الذي يطعم من جوع ويؤمن من خوف. “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”. هذه الآية الكريمة التي استدل بها الملك في خطابه الأخير بمناسبة عيد العرش، تلخص كل شيء عن المعنى الحقيقي للوطن.
بدون تعليق أو بالأحرى لا مزيد من التعليق.

