كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، على لسان رئيسه عبد القادر اعمارة، عن اختلالات بنيوية عميقة تعيق فعالية النقل في الوسط القروي، أبرزها التفاوتات المجالية في الولوج إلى الطرق، وتدهور الشبكة غير المصنفة والمسالك القروية، وغياب صيانة مستدامة، إلى جانب هشاشة تنظيم مختلف أنماط النقل وضعف الإطار القانوني المؤطر للقطاع.
وأوضح اعمارة، خلال لقاء تواصلي لتقديم مخرجات رأي المجلس حول “نحو نقل قروي دامج، مستدام وقادر على الصمود”، أن المناطق الجبلية والمعزولة والمجالات ذات السكن المتباعد لا تزال تعاني من عزلة مستمرة، رغم الجهود المبذولة، بفعل ضعف الربط الطرقي وتدهور البنيات غير المصنفة، وهو ما يؤثر سلبا على استمرارية الخدمات الاجتماعية والاقتصادية ويرفع من مخاطر حوادث السير.
وأضاف أن جودة واستمرارية النقل القروي تتأثر أيضا بضعف هيكلة وتنظيم أنماط التنقل، حيث يعتمد القطاع على منظومة متعددة تشمل النقل المزدوج، سيارات الأجرة، الحافلات بين المدن، النقل المدرسي، الصحي والمهني، غير أنها تعاني جميعها من إكراهات بنيوية متداخلة.
وفي هذا السياق، سجل أن النقل المزدوج، الذي يشكل العمود الفقري للتنقل القروي، يعاني من تقادم المركبات، وتجاوز طاقتها الاستيعابية، وغياب المرونة في تحديد المسارات المرخصة، فيما لا تغطي سيارات الأجرة والحافلات بشكل كاف المناطق المعزولة، ما يدفع جزءا من الساكنة إلى الاعتماد على النقل غير المنظم.
كما أشار إلى أن النقل المدرسي، الذي تؤمنه غالبا جمعيات محلية بشراكة مع مجالس العمالات والأقاليم، يواجه نقصا في عدد المركبات وخصاصا في التأطير، إضافة إلى غياب إدماجه ضمن تخطيط شامل للتنقل، وارتهان تمويله بدرجة كبيرة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وفي ما يتعلق بالنقل الصحي، أبرز اعمارة وجود خصاص في المركبات والموارد البشرية المؤهلة، مع تفاوتات مجالية قد تؤدي إلى تأخر التدخلات الطبية الاستعجالية، في حين يبقى النقل المهني في عمومه غير منظم ويعاني من الهشاشة.
وأرجع رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هذه الاختلالات إلى نواقص قانونية وتنظيمية، في ظل غياب إطار معياري خاص بالنقل القروي، وصعوبة تنزيل دفاتر التحملات المتعلقة بالنقل المزدوج، وعدم ملاءمة بعض المسارات المرخصة، إلى جانب ضعف مراقبة احترام شروط الاستغلال.
كما لفت إلى أن غياب مخطط مندمج ومستدام للتنقل في الوسط القروي، وضعف الالتزام بتدابير السلامة الطرقية، ينعكسان سلبا على تنظيم القطاع وعلى استمرارية ونجاعة الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، ويحدان من ولوج الساكنة القروية إلى المرافق العمومية وأماكن العمل.
وفي مقابل هذه الأعطاب، أشار اعمارة إلى أن تشخيص المجلس رصد أيضا تطورا ملحوظا في البنيات التحتية خلال العقود الأخيرة، حيث ساهمت برامج فك العزلة، المنطلقة منذ تسعينيات القرن الماضي، في رفع نسبة الولوج إلى الطرق الصالحة للمرور طوال السنة من 54 في المائة سنة 2005 إلى أكثر من 81 في المائة سنة 2022، رغم استمرار التفاوتات.
وأكد أن الوسط القروي، الذي يمتد على أكثر من 90 في المائة من التراب الوطني ويضم أزيد من 13.7 مليون نسمة، أي ما يمثل 37.2 في المائة من السكان، يستدعي سياسات عمومية ناجعة في مجال النقل، باعتباره ركيزة أساسية للتشغيل المحلي وتعزيز الإدماج الاجتماعي.
وأوصى المجلس بإعداد مخطط مندمج ومستدام للنقل القروي في أفق 2035، يراعي الخصوصيات الترابية لمختلف المجالات القروية، ويهدف إلى جعل النقل رافعة للتنمية، عبر تحديث البنيات التحتية وضمان استدامتها، وتأمين السلامة الطرقية، وإرساء تمويل مستدام لصيانة الطرق، خاصة غير المصنفة، إلى جانب تطوير منظومة نقل مترابطة وفعالة تجمع بين مختلف الأنماط.
وشدد اعمارة في ختام كلمته على أن ضمان الحركية، سواء الفردية أو الجماعية، يعد شرطا أساسيا للتمكين الاقتصادي والاندماج الاجتماعي، وأن توفير البنيات الطرقية ووسائل النقل الملائمة يمثل تجسيدا فعليا للحق في حرية التنقل، ومدخلا لضمان حقوق أساسية أخرى، في مقدمتها التعليم والصحة والشغل والسكن.

