إعداد: عمر لبشيريت وابتسام مشكور
في سنة 1933، كانت الصحراء فضاءً مفتوحًا بين الرمال والسماء، والعيون مجرد ثكنة عسكرية إسبانية صغيرة. في ذلك العام، خرج فتى في السادسة عشرة من عمره من طانطان، متجهًا إلى العيون على ظهر جمل، يحمل في قلبه طموحًا أكبر من سنّه، ورؤية لا يعرفها إلا من عاش الصحراء حقًّا.
في الطريق، فاض واد درعة، وبدأ الجمل يهتز وسط تيار الماء، وكاد السيل أن يجرف الفتى. لكنّ يده الصغيرة تشبثت بذيل الجمل بكل ما تبقى فيه من حياة.
وفي تلك اللحظة أدرك أن الله نجّاه ليُعمّر لا ليهرب، ليكون من أولئك الذين يعيشون لأجل الناس لا على حسابهم.
ذلك الفتى كان محمد، الذي عرفه الناس فيما بعد باسم الفاضل محمد فاضل، ثم تحوّل اللقب مع اللسان الإسباني إلى فيضول، اسم أحبه الجميع، لأنه لم يكن يرمز إلى شخص، بل إلى قيمة: الكرم، والصدق، والوفاء. ابن الصحراء حقًّا.
هكذا تتناقل عائلة الدرهم رحلة ومسار سي فيضول في تخوم الصحراء، قصة ظلّت تُروى داخل العائلة بوصفها “لحظة ميلاد المعنى”: «أعيش لأبني، لا لأملك».
سي حماد الدرهم… رجل الظلّ المضيء
لا يُذكر اسم فيضول داخل العائلة إلا واسم توأم روحه معه. في حديث وروايات العائلة، نلمس هذا الإصرار والافتخار عند الحديث عن الرجلين معًا.
وراء كل رجل عظيم، أخ يسنده بصمت. كان سي حماد يكبر فيضول بعشر سنوات، وكان له بمنزلة الأب والصديق، رجل زاهد في الظهور، لكنه حاضر في كل قرار. عُرف بحكمته، وبحذره، وبقدرته على إدارة الأمور في الخفاء دون ضجيج.
كان سي حماد هو من يُوازن بين الكرم والتدبير، ويحتفظ بالمال لا ليكدسه، بل ليعيد توزيعه على الناس بما يضمن لهم كرامتهم. وكانت قاعدة الأخوين بسيطة: “الربح لا يكون بالمال، بل بثقة الناس”.
إذا كان فيضول هو الوجه الاجتماعي والدبلوماسي، فإن سي حماد كان عقل البيت وحارس توازنه. يخططان معًا، يتحاوران قبل كل قرار، وكانت بينهما ثقة مطلقة لا تحتاج إلى كلمات.
«الكمبانية»: عقد وصلٍ تجاري بين قارّتَين
في سنة 1940، أعلنت الإدارة الاستعمارية الإسبانية جعل مدينة العيون عاصمة للأقاليم الصحراوية. كانت العيون آنذاك منطقة نائية قاحلة، لا تتجاوز مظاهر الحياة البسيطة القائمة على الصيد والرعي، ولم تجعل منها السلطات الإسبانية سوى قاعدة عسكرية أكثر من كونها مركزًا عمرانيًا أو اقتصاديًا. لم تكن تضم بنية حضرية، ولا أسواق منظمة، ولا أي مظاهر للتنمية الحديثة؛ سوى الخيام والإبل وبعض مرافق الإدارة العسكرية.
وفي خضم هذا التحول السياسي والإداري، سيبرز اسم الأخوين فيضول وسي حماد الدرهم، بوصفهما من أوائل الرواد الاقتصاديين المحليين الذين أدركوا حاجة المنطقة إلى مشروع تجاري واقتصادي يخرجها من الجمود إلى الفاعلية.
كانت البداية بتأسيس شركة “الكومبانيه”، التي سرعان ما تحولت إلى نواة اقتصادية رائدة في الصحراء.
أهمية هذا المشروع لم تكمن في نشاطه التجاري فحسب، بل في طبيعته الاجتماعية التشاركية؛ إذ حرص الأخوان فيضول وسي حماد على جمع شمل القبائل الصحراوية وإشراكها في الشركة، وهو ما عزز روح التضامن الاقتصادي ورسخ مفهوم العمل المشترك في زمن كانت تغلب عليه الحسابات القبلية الضيقة.
مع مرور الأيام، وبفعل جدية ومثابرة الأخوين، والثقة التي أضحى يحظى بها فيضول وسي حماد، تحولت شركة أهل الدرهم أو «الكمبانية» إلى شبكة لوجستية وتجارية ربطت العيون – الداخلة – سيدي إفني بموانئ جزر الكناري، ومنها إلى الأسواق الأوروبية شمالًا، وإلى نواكشوط وداكار جنوبًا.
وتُظهر الأرشيفات الإسبانية الخاصة بالصحراء خلال الخمسينيات تفاصيل دقيقة حول حركة البضائع وصفقات البيع والأسعار (الأقمشة والسكر، والإبل، والغنم…) التي أصبحت تنعش أسواق الصحراء. وفي هذه الأرشيفات، نجد على رأس التجار المتعاملين اسم فضيل الدرهم وشريكه أحمد بوعيدة، وامبارك ولد العياد، ونايم ولد العراض.
مبادرة الأخوين فيضول، بما رافقها من رؤية اقتصادية مبكرة وإصرار على العمل، لعبت دورًا حاسمًا في إيقاظ الحركة التجارية بالمنطقة وتنشيط دورة اقتصادها المحلي. كما فتحا آفاقًا جديدة للتبادل التجاري، وأسسا لنموذج محلي أصيل يزاوج بين قيم المجتمع الصحراوي ومبادئ النهضة الاقتصادية.
وبفضل جهودهما المتواصلة، بدأت العيون تتحول تدريجيًا إلى مركز تجاري ناشئ ووجهة اقتصادية لها موقعها ضمن أسواق المنطقة.
وقد توقف عدد من المؤرخين السياسيين عند الأثر الاجتماعي العميق الذي تركه الأخوان فيضول وسي حماد في محيطهما، ليس فقط عبر نشاطهما الاقتصادي، بل من خلال التزامهما الأخلاقي والديني تجاه المجتمع المحلي. وفي هذا السياق، يقول أحد المؤرخين:
“لم يكن الأخوان فيضول وسي حماد مجرد رجال تجارة أو شخصيات نافذة في الصحراء، بل كانا نموذجين في الالتزام الديني والاجتماعي. فقد عرفا بمداومتهما على توزيع الزكاة والصدقات بانتظام، خاصة في الأعياد والمناسبات الاجتماعية، إيمانًا منهما بأن المال أمانة ومسؤولية اجتماعية قبل أن يكون وسيلة ربح. لقد تجسد فيهما المفهوم الأصيل للتكافل الإسلامي، فكان عطاؤهما يشمل الفقراء والأرامل وأبناء السبيل دون تمييز بين قبيلة وأخرى.”
ومما زاد أثر هذا الجانب الإنساني عمقًا أن أعمالهما الخيرية لم تقتصر على السكان الصحراويين وحدهم، بل شملت أيضًا بعض الأسر الإسبانية المحتاجة التي كانت تعيش في العيون خلال تلك الفترة، الأمر الذي جعل منهما جسرًا إنسانيًا بين المجتمع المغربي الصحراوي والإدارة الإسبانية، وكسبهما احترامًا واسعًا ومكانة اجتماعية راقية في أوساط السكان المحليين وفي الأوساط الإدارية الإسبانية على حد سواء.

وفي إحدى وثائق الأرشيف الإسباني، نقرأ تفاصيل دقيقة لطريقة توزيع الزكوات والصدقات (3 دجنبر 1953)، حيث وُزّعت على:
- المساكين (الذين لا يسألون)
- الفقراء (الذين يسألون)
- البرّانيون (الغرباء)
- المحبوسون
- المدافعون عن الدين/المجاهدون
- المسافرون
فلسفة التوريد.. إلى «المصدر الأول»
مع مطلع الستينيات، فتح الأخوان الدرهم آفاقًا جديدة لتجارتهما، حيث سافر فيضول بنفسه إلى الهند والصين طلبًا للمصادر الأولية: القماش، التوابل، الشاي. كانت فلسفته واضحة: تنويع المناشئ، وربط علاقات مباشرة مع المنتجين يضمن الجودة والاستقرار السعري، ويُقلّص التبعية لتقلبات السوق الاستعماري وأسعاره.
وتوضح وثائق الأرشيف الإسباني لفترة الخمسينيات هذا التحول الذي طرأ على مصادر ومنافذ السلع التي تمر عبر الكناري إلى الصحراء، وكمية وتنوع السلع التي أصبحت تفد على المنطقة بعد أن كانت تعرف جمودًا واضحًا، وتكتفي ببعض التجارة المحلية البسيطة.
الإخوة الدرهم وإسبانيا: الاحترام دون ولاء سياسي
كانت علاقة الأخوين فيضول وسي حماد مع السلطات الإسبانية علاقة معقدة ومتوازنة سياسيًا، يمكن وصفها بأنها تعاون محسوب دون خضوع، واحترام متبادل دون ولاء سياسي.
فقد أدركت الإدارة الاستعمارية الإسبانية تأثير الأخوين القوي داخل المجتمع الصحراوي، خصوصًا بحكم مكانتهما الاقتصادية وصلاتهما القبلية، فحرصت على الحفاظ على علاقة طيبة معهما لتجنب أي توتر اجتماعي قد يعرقل مشروعها الاستعماري في المنطقة.
كما عملت السلطات الإسبانية على تسهيل التعاطي التجاري للأخوين، لأنها رأت فيهما قوة اقتصادية مهمة تساهم في استقرار الحركة التجارية بالعيون.
سمعة الأخوين جعلت دورهما الاجتماعي مؤثرًا وسط القبائل، وكان يُنظر إليهما كجسر بين المجتمع المحلي والإدارة الإسبانية، ما جعل سلطات الاحتلال تتعامل معهما باحترام وحذر.
سياسيًا، لم يكونا من أتباع السياسة الإسبانية، ولا من صدامييها. حافظا على مسافة سياسية ذكية مكنتهما من حماية مصالح السكان المحليين دون مواجهة مباشرة.
كما نجحا في تجنب الصدامات القبلية التي كان الاستعمار يغذيها، فكان تواجدهما قائمًا على الاحترام والثقة، بعيدًا عن الولاء السياسي للأجانب.
تموين جيش التحرير والحكم بالإعدام
المسافة والتوازن الدقيق الذي أطر علاقة الأخوين الدرهم بالسلطات الاستعمارية، كان في الظاهر يعطي الانطباع للإسبان بابتعاد الأخوين عن السياسة. لكن، في الحقيقة، كان فيضول ينسج، في تكتم شديد، شبكة علاقات مع الحركة الوطنية المغربية.
وعند اندلاع انتقاضة المغاربة بعد نفي الملك محمد الخامس سنة 1953 وتصاعد موجة المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسية في المغرب، كانت الصحراء جزءًا من هذا الحراك السياسي رغم بعدها الجغرافي. وقد برز في تلك المرحلة اسم فيضول و اخوه السي احماد كأحد الداعمين سرًا لحركة التحرير الوطنية وللشرعية التاريخية للعرش المغربي، إذ قدم دعمًا ماديًا ومعنويًا للمناضلين والوطنيين عبر قنوات متعددة.
في كتاب فرانسيسكا جارغالو المعنون ب «Saharauis. La sonrisa del sol”، تتحدث في فصل خاص ب “الصحراويون والمغرب من 1950 إلى 1975″ عن الأدوار التي لعبها الإخوة الدرهم، إذ تقول:”بدأ الوطنيون المغاربة الذين لجؤوا إلى ڤيّا سيسنيروس (الداخلة) دعايةً مكثّفة مؤيِّدة للمغرب في أوساط التجار وشباب المدينة. وعلى نحوٍ خاص، كان تاجرٌ من إفني يُدعى فيدول بن علي بن دِرهم يعلن في الصحراء أن استقلال المغرب—وكذلك مجاله الترابي—يمتد حتى السنغال. كانت تلك فكرةَ حزب الاستقلال”.
كانت العلاقة مع حزب الاستقلال وجيش التحرير هي القناة التي مكنت الأخوين الدرهم من نشر الفكر الوطني وسط الصحراء. ومع تصاعد الأحداث، سيصبح فيضول وسي حماد ومعهما الحاج أحمد بوعيدة القناة الرسمية والرئيسية لتجهيز وتموين وتسليح المقاومة وجيش التحرير من سيدي إفني حتى موريتانيا.
كانت قوافل شركة “الدرهم-بوعيدة”، تنقل المواد الغذائية والبضائع، وفي نفس الوقت تؤمن السلاح والمؤونة. ولهذا، سوف يأمر السلطان محمد الخامس، في وثيقة/ رسالة، مؤرخة في 10 يونيو 1957، اطلعنا عليها، “شركة الدرهم-بوعيدة”، أن تمد قواد جيش التحرير “بما يحتاجونه من مؤونة وزاد ومتاع. وأنني أذنت الى القواد الذين ولجوا الصحراء ان يتصلوا بأماكن بيعكم لتكون ضهلهم الوحيد”.
وأخد السلطان محمد الخامس عهدا على نفسه، في نفس الرسالة، ان كل “ما يلحق هذه الشركة من خسارة وأضرار، فستقوم الدولة بتصفيته وبمجازاتهم بعد ذلك حتى يكونوا فى مأمن من أجل قيامهم بالعمل المجدى وذلك فى المناطق المغتصبة من الوطن الأن: المغرب الكبير كأيت باعمران المغتصبة والصحراء المغتصبة من طرف الاسبان وموريتانيا المغتصبة من طرف الفرنسيين”.
هذا النشاط أثار شكوك الإدارة الاستعمارية الإسبانية، فاعتقل فيضول، بمدينة العيون، بتهمة تموين جيش التحرير أُحيل على محكمة عسكرية إسبانية، وصدر بحقه حكم بالإعدام، ثم نُقل إلى مدينة الداخلة قبل أن يتم ترحيله إلى جزيرة فويرتي فنتورا، التي كانت سجنًا مفتوحًا لكل من تعتبرهم إسبانيا “عناصر خطيرة سياسيًا”.
أما شقيقه سي حماد، الذي كان شريكًا له في القناعة الوطنية والعمل الاقتصادي، فقد نجا من الاعتقال بعد أن تمكن من الفرار خارج المنطقة فور انكشاف نشاطهما الوطني، متنقلًا بين قبائل وأماكن مختلفة حتى لا يقع في قبضة السلطات الإسبانية .
وخلال فترة اعتقاله، عانى فيضول من ظروف قاسية، إذ حاولت سلطات الاحتلال إذلاله وإرغامه على التراجع عن مواقفه، فكلّفوه بالأعمال الشاقة في محيط مدينة العيون، في موقع قريب من مسكنه، الذي كانت يقطنه رفقه زوجته وأولاده. كان الإسبان يسعون من وراء ذلك إلى كسر معنوياته أمام قبيلته وأهله، إلا أن ما وقع كان على العكس تمامًا؛ فقد أثار صبره وثباته تعاطف السكان واحترامهم، وأصبح مشهدُه وهو يؤدي الأشغال القاسية رمزًا للصمود الوطني في ذاكرة أهل المنطقة.
بل تشير بعض الروايات إلى أن فيضول طلب من السلطات الإسبانية تغيير مكان سجنه أو أعماله القسرية حتى لا يؤذي مشاعر قبيلته وأسرته التي كانت تضطر لمشاهدته في تلك الظروف، وهو ما يكشف عن نبل شخصيته وحرصه على كرامة الآخرين حتى وهو في محنة الأسر.
وتحتفظ العائلة بتفاصيل إنسانية لافتة عن تلك الفترة، منها رفضه عرضًا بالتهريب ليلة الاعتقال «كي لا يُكتب أنه هرب»، وطلبه ألا يقع توقيفه أمام أطفاله.
وبعودة الملك محمد الخامس من المنفى، تم الإفراج عن فيضول في إطار عملية تبادل الأسرى، أشرف عليها قادة جيش التحرير، الذين طلبوا من السلطان محمد الخامس مبادلة ضباط وجنود إسبان وقعوا في أيدي جيش التحرير بالصحراء، وكان فيضول الدرهم على رأس قائمة الأسرى المغاربة التي تقدم بها جيش التحرير.

من جيش التحرير إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية
على الرغم من الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي لحقت بهما نتيجة الاعتقالات والنفي، لم يسمح الأخوان فيضول وسي حماد لهذه المحن أن توقف نشاطهما. استمرا في عملهما السياسي بحزب الاستقلال، اضافة إلى نشاطهما الاجتماعي والاقتصادي، محافظين على نفوذهما ومكانتهما في المجتمع الصحراوي.
وسع الأخوان شبكة أعمالهما التجارية، إذ أسسوا مركزًا لتنسيق استيراد السلع والمنتجات من دول مختلفة مثل إسبانيا والصين، وتوزيعها في الصحراء وصولًا إلى موريتانيا والمناطق المجاورة. ربطوا عملياتهم بمحاور اقتصادية استراتيجية في لاس بالماس، ما أتاح الجمع بين النشاط الاقتصادي المحلي والتبادل التجاري الإقليمي، وساهم في تنشيط حركة الأسواق ورفع مستوى الاقتصاد في العيون والمناطق الصحراوية المحيطة.
في الوقت نفسه، واصل الأخوان نشاطهما السياسي والاجتماعي، محافظين على دورهما كحلقة وصل بين السلطات المغربية والمجتمع القبلي المحلي، مستخدمين نفوذهما الاقتصادي لدعم الاستقرار وتعزيز التماسك الاجتماعي، ما جعلهما رمزين للريادة الاقتصادية والوفاء الوطني في تاريخ الصحراء المغربية.
كان الأخوان من أوائل الصحراويين الذين التحقوا، رفقة الحاج أحمد بوعيدة، بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وساهموا في تأسيس تنظيمات الحزب بالصحراء، مستفيدين من علاقاتهم الوثيقة بقادة الاتحاد، خاصة الحاج المتوكل الساحلي والفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي.
خاض سي حماد الدرهم أول انتخابات تشريعية في المغرب عام 1963، مرشحًا عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في دائرة كلميم. فاز بأغلبية ساحقة، لكن التزوير والضغوط السياسية أدت إلى إقصائه، فتعرض للاعتقال مع قيادات الحزب، واضطر إلى اللجوء إلى الجزائر نحو عام، قبل أن يعود لاستئناف نشاطه الاقتصادي والاجتماعي بعيدًا عن السياسة.
من الوقود إلى السيادة الاقتصادية
بعد 1975 واستعادة المبادرة في الصحراء، وتدخله في إعادة خاطري الجماني إلى الصف الوطني، ابتعد فيضول عن المناصب السياسية وصخب السلطة. أدرك أن معركة الاستقرار لن تُحسم بالشعارات وحدها، بل بضمان تدفق المواد الأساسية بعيدًا عن أي ضغط خارجي.
في سنة 1976، توجه إلى الشركة الأم في إسبانيا، ودخل مفاوضات مباشرة لشراء نشاط «سيبسا» في الإقليم، ليس بوصفه مجرد استحواذ، بل لتحويلها إلى شركة وطنية مغربية تُدار من الداخل وتخدم حاجات السكان أولًا.

هكذا انتقلت أهم شركة للمحروقات بالصحراء إلى الملكية المغربية، وتم تنظيم نشاط توزيع المحروقات تحت اسم محلي هو: «أطلس الصحراء للبتروكيماويات».
كان هذا القرار امتدادًا عمليًا لفلسفة فيضول القديمة: توطين المنبع وقطع تبعية الضروريات الغذائية والطاقية، حتى لا تبقى حياة الناس مرهونة بمزاج السوق الخارجي أو حسابات العاصمة البعيدة. لم يكن شراء “سيبسا” مجرد صفقة تجارية، بل خطوة سيادية تربط خطوط الإمداد بالقرار الوطني، وتؤسس بنية محلية للتخزين والتوزيع والخدمات، تخدم الحواضر والبوادي على حد سواء.
من العيون إلى آطار..إمبراطورية الثقة
لم تكن مسيرة الأخوين مجرد تجارة محلية محدودة، بل شبكة اقتصادية وإنسانية امتدت من العيون إلى آطار، ومن نواكشوط إلى داكار، ووصلت حتى جزر الكناري، حيث أسسوا قاعدة اقتصادية تربط إفريقيا بأوروبا.
في آطار الموريتانية، كانت تربطهما علاقة عميقة بالشيخ سعد بوه ولد محمد العبيدي، رجل العلم والتقوى، الذي رأى فيهما نموذجًا فريدًا للتجار الصالحين الذين يحملون همّ الناس قبل مصالحهم الشخصية. لقاءاتهم كانت قصيرة الحضور وطويلة الأثر، تُناقش فيها قضايا الناس وتُبنى فيها جسور الثقة بين المغرب وموريتانيا بعيدًا عن السياسة.
كان الأخوان يؤمنان بأن التنمية لا تقوم على الخطاب، بل على المشاريع التي تحفظ كرامة الناس. أسّسا “الكمبانية”، شركة تجارية جمعت أبناء قبائل مختلفة، ولم تكن مجرد مشروع للربح، بل فكرة للمشاركة.
دخلوا أبناء المنطقة كشركاء رمزيين، ليشعر الجميع أن النجاح جماعي، وكان المبدأ أن المال وسيلة لطمأنة الناس، لا لإذلالهم.
هكذا، أصبح اسم الأخوين الدرهم مشهورًا في عموم الصحراء وموريتانيا وصولًا إلى السنغال. بنيا إمبراطورية الثقة، ليس على الربح فحسب، بل على الاحترام المتبادل.
كان الإسبان يثقون في كلامهما أكثر من عقودهم، لأن فيضول كان يقول دائمًا: “العهد أهم من التوقيع”.
لم يكونا رجال سلطة أو مظاهر، بل رجال أمان. الكلمة عندهما عهد، والمال أمانة، والإنسان مقامه الأول.
لم يبحثا عن الضوء، لكن سيرتهما أضاءت من تلقاء نفسها. لم يطلبا المجد، لكن التاريخ منح اسميهما مكانة بين الكبار.
وفي ذاكرة الصحراء، حيث تُمحى الآثار بالرمال، تبقى آثار الأمانة والكرم مكتوبة في القلوب، لا على الجدران

