كشف الخبير السيبراني أنور قورية، في تعليقه على اعتقال مادورو، أن عملية تحديد مواقع الأشخاص لم تعد مجرد تتبع جغرافي، بل تعتمد على تحليل الحركة والسلوك والبيانات المحيطة بالشخص، مبرزا أن الذكاء الاصطناعي وأنترنت الأشياء يساعدان على إدارة البيانات الضخمة بسرعة، محذرا من أن البيانات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي تعد مصدرا طوعيا، لا يحتاج إلى اختراق تكنولوجي أو جهد عملياتي.
وهذا نص الحوار الذي أجرته صحيفة “سفيركم” الإلكترونية مع الدكتور أنوار قورية، خبير الذكاء الترابي وخريج البرنامج الدولي للدراسات الاستخباراتية:
ما هي السيناريوهات التكنولوجية المعتمدة في تحديد المواقع والتي ربما اعتمدتها الولايات المتحدة في تحديد موقع مادورو؟
عند تناول مسألة تحديد موقع شخصية معينة كما هو الشأن بالنسبة لرئيس دولة فينزويلا، لا يمكن فهم الأمر بمنطق التتبع التقليدي أو الاعتماد على تقنية واحدة بعينها، فالسيناريو الأكثر ترجيحا من زاوية تكنولوجية بحتة يقوم على دمج طبقات متعددة من تقنيات تحديد الموقع ضمن منظومة استخباراتية شاملة، في هذا الإطار، لا ينظر إلى الموقع كإحداثية جغرافية ثابتة، بل كنتاج تراكمي لتحليل أنماط الحركة، وسلوك المرافقة، والبنية الاتصالية المحيطة بالشخص المستهدف، تقنيات الاستشعار عن بعد، وبيانات الاتصالات، وصور الأقمار الصناعية، وحتى التغيرات الدقيقة في الروتين اليومي، كلها عناصر تدمج لإنتاج نقطة موقع باحتمالية عالية الدقة، الأهم هنا أن الموقع لا يكتشف لحظة التنفيذ، بل يفهم مسبقا عبر نمذجة زمنية تجعل تحركات الشخص شبه متوقعة، هذا النوع من السيناريوهات لا يهدف إلى السيطرة الميدانية، بل إلى السيطرة المعلوماتية المسبقة على المجال الذي يتحرك فيه الهدف.
كيف يتم توظيف الذكاء الاصطناعي في هذه السيناريوهات؟ وما الدور الذي يلعبه؟
الذكاء الاصطناعي وأنترنت الأشياء في السياقات الاستخباراتية الحديثة لا يعملان كأدوات هجومية مستقلة، بل كمعززين للقدرة التحليلية البشرية، دورهما الأساسي يتمثل في إدارة الكم الهائل من البيانات المتدفقة من مصادر متعددة، وتحويلها من فوضى معلوماتية إلى معرفة قابلة للاستخدام عبر خوارزميات التعلم الآلي وتواصل الأشياء، يمكنان من رصد الأنماط الخفية في السلوك، واكتشاف التغيرات الطفيفة التي لا يلتقطها التحليل البشري التقليدي، مثل انحرافات غير معتادة في المسارات أو التوقيت أو شبكات التواصل، كما يساهم الذكاء الاصطناعي لوحده في ضغط الزمن الاستخباراتي عبر تسريع دورة القرار، من خلال محاكاة سيناريوهات متعددة وتقدير احتمالاتها، دون أن يحل محل الإنسان في اتخاذ القرار النهائي، في المؤسسات الاحترافية، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة تقدير واستشراف، لا أداة تفويض أو تنفيذ، وأي تجاوز لهذا الدور يعد مخاطرة استراتيجية لا ميزة تكنولوجية.
هل توجد ضوابط قانونية دولية تنظم استخدام تقنيات التتبع وتحديد المواقع؟
من الناحية القانونية، يخضع استخدام تقنيات التتبع وتحديد المواقع لجملة من المبادئ العامة في القانون الدولي، إلا أن الإطار القانوني لا يزال متأخرا عن التطور التكنولوجي، ويظل مبدأ السيادة وعدم التدخل حجر الزاوية، إذ يعد أي نشاط استخباراتي تكنولوجي داخل تراب دولة أخرى، دون موافقتها، انتهاكا مباشرا لسيادتها، كما تحضر قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بالحق في الخصوصية والتناسب والضرورة، حتى في سياق الذرائع الأمنية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي وانترنت الاشياء والتراكم المعرفي للبيانات الضخمة، حيث لا توجد حتى الآن اتفاقيات دولية ملزمة تنظم التتبع الرقمي العابر للحدود أو استخدام الخوارزميات في العمليات الأمنية الاستخباراتية، هذا الفراغ القانوني يدفع الدول الكبرى إلى العمل وفق تأويلها الخاص للشرعية، ما يخلق سوابق خطرة قد تستخدم لاحقا ضدها في بيئات دولية أقل استقرارا.
أين تتجلى خطورة البيانات المفتوحة ومواقع التواصل الاجتماعي في مثل هذه العمليات؟
تكمن خطورة البيانات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي في كونها مصدرا استخباراتيا طوعيا، لا يحتاج إلى اختراق تكنولوجي أو جهد عملياتي معقد، التراكم المستمر للصور، والتصريحات، ومقاطع الفيديو، وتفاصيل المناسبات الرسمية أو الخاصة، يسمح ببناء خرائط دقيقة للعلاقات، وأنماط الحركة، والجداول الزمنية، وحتى التفضيلات الشخصية، مع أدوات التحليل الحديثة، تصبح هذه البيانات الخام مادة مثالية لنمذجة السلوك والتنبؤ بالتحركات، الخطر لا يكمن في منشور واحد أو صورة منفردة، بل في القدرة على الربط الزمني والسياقي بين آلاف الجزئيات الصغيرة، في هذا السياق، تتحول الشخصية السيادية من كيان محمي أمنيا إلى هدف قابل للتنبؤ معلوماتيا، وهو أخطر أشكال الاختراق في عصر الحروب الهجينة، ويمكن القول إن كثيرا من الهشاشة الأمنية المعاصرة لا تفرض من الخارج، بل تنتج ذاتيا عبر الإفراط في العلنية الرقمية.
إن ما تكشفه هذه السيناريوهات وغيرها، بصرف النظر عن صحتها الواقعية، هو أن الصراع الحديث لم يعد يحسم بالقوة العسكرية المباشرة، بل بالقدرة على إدارة المعلومات، وحكامة التكنولوجيا، وحماية القرار السيادي من التحول إلى معادلة قابلة للتنبؤ، الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لا تسقط الدول، لكنها تفضح ضعفها البنيوي عندما تغيب الرؤية الاستراتيجية والحكامة المؤسساتية.

