أعربت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء دخول قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حيز التنفيذ، معتبرة أن هذا النص، رغم تضمنه لبعض المستجدات الإيجابية، فإنه ينطوي على تراجعات مقلقة تمس الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة، ولا ينسجم، بحسبها، مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
وأوضحت الجمعية، في بيان صادر عن مكتبها المركزي بتاريخ 4 يناير 2026، أنها تابعت بقلق وانشغال عميق تنزيل القانون الجديد في سياق وطني يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول واقع الحقوق والحريات ومسؤولية المؤسسات في تعزيز الثقة في العدالة، مشيرة إلى أن القراءة الحقوقية المتأنية للنص تكشف عن توسيع غير مبرر لسلطات النيابة العامة، خاصة في ما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي، بما يمس قرينة البراءة والتوازن بين أطراف الدعوى العمومية.
وسجلت الجمعية التي تقودها سعاد البراهمة، أن الاعتقال الاحتياطي ما يزال يشكل أحد أخطر مظاهر المساس بالحرية الفردية، مبرزة أن نسبته تتجاوز 40 في المائة من مجموع الساكنة السجنية، وفق المعطيات الرسمية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن القانون الجديد أبقى على مبررات وصفتها بالفضفاضة للاعتقال الاحتياطي، من قبيل “الأمن العام” و”حسن سير العدالة”، مع فتح المجال لتمديده بطلب من النيابة العامة دون رقابة قضائية فعالة.
كما نبه المكتب المركزي إلى التوسع الملحوظ في صلاحيات النيابة العامة، خصوصا في ما يتعلق بتمديد الحراسة النظرية، ومراقبة الاتصالات، والتفتيش خارج الأوقات القانونية، وتوجيه البحث في مرحلة ما قبل المحاكمة، مع غياب آليات رقابة قضائية مسبقة وفعالة، وعدم تعزيز دور قاضي التحقيق أو تمكين الدفاع من الطعن الفوري في عدد من الإجراءات التي تمس الحرية والخصوصية.
وفي ما يخص الحق في الانتصاف ومكافحة الفساد، اعتبر رفاق البراهمة أن التعديلات المرتبطة بالمادتين 3 و7 تشكل تراجعا حقوقيا، من خلال تقييد أدوار الجمعيات الحقوقية في حماية المال العام، وتعقيد مساطر الولوج إلى التقاضي، إلى جانب توسيع مسطرة الصلح في الجرائم المالية مقابل مبالغ مادية، وهو ما قالت أنه يحد من فعالية الردع القانوني.
وأشار البيان إلى أن قرار تمديد الحراسة النظرية في القضايا ذات الحساسية السياسية أو الاجتماعية يظل، عمليا، خاضعا لتقدير النيابة العامة وحدها، في غياب رقابة قضائية آنية، مؤكدا أن إدراج آليات مثل الإشعار الإلكتروني وتتبع الشكايات يعد خطوة إيجابية، لكنها غير كافية لحماية الضحايا، خاصة الفئات الهشة.
كما انتقدت الجمعية عدم إقرار صندوق مستقل لتعويض الضحايا، ولا سيما ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي والاتجار بالبشر والاعتداءات الجسدية والجرائم المالية الكبرى، إضافة إلى غياب التنصيص الصريح على إلزامية الفحص الطبي المحايد والمستقل في حالات الاشتباه في التعذيب أو سوء المعاملة، وعدم إقرار التسجيل السمعي البصري الإجباري لجميع مراحل البحث.
وسجل المكتب المركزي أن القانون، رغم تنصيصه على بعض الضمانات المرتبطة بالحق في الدفاع، لم يفرض حضور المحامي خلال الاستماع الأول، ولم يلزم بتسليم نسخة فورية من المحاضر لهيئة الدفاع، كما قيد حق الاطلاع على الملف بمساطر معقدة، خاصة في قضايا الأحداث والقضايا ذات الطابع الأخلاقي.
وفي ما يتعلق برقمنة المسطرة الجنائية، رحبت الجمعية بالمبدأ، لكنها نبهت إلى غياب مقتضيات واضحة لحماية المعطيات الشخصية وضمان أمن الأنظمة المعلوماتية وحق الأطراف في الولوج إلى ملفاتهم الإلكترونية.
حمزة غطوس

