افتتح محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، صباح اليوم الاثنين 24 نونبر 2025، أعمال اللقاء الدراسي حول تقييم أثر سياسات مكافحة الفساد.
وقال بنعليلو إننا اليوم نعطي انطلاقة مرحلة جديدة من مراحل التفكير العمومي حول النزاهة ومكافحة الفساد، تتجاوز بداهة القول بأن “لدينا سياسات” نحو سؤال أكثر تعقيدا وأعمق مسؤولية وهو “ماذا أحدثت هذه السياسات في المجتمع؟ وما الأثر الحقيقي الذي صنعته؟”
وتابع في كلمته الافتتاحية أن الزمن السياسي والمؤسساتي يفرض الانتقال من رصد الجهود إلى قياس النتائج؛ ومن الحديث عن البرامج إلى مساءلة أثرها؛ ومن التركيز على “ما قمنا به” إلى التركيز على “ما تغير فعلا في الواقع”.
وأضاف “لقد اعتدنا التعامل مع السياسات العمومية بمنطق التقديرات العامة والجزافية، والاشتغال وفق مؤشرات شكلية تقليدية تتكرر دون أن يرافقها تحليل لما يحدث فعلا في الميدان، واعتدنا الحديث عن مجموعة من التقديرات”، موردا أن هذه التقديرات هي في الحقيقة “تقديرات جزافية قد تمنح وهم الإنجاز، لكنها تخلق في العمق مزايدات على المواطن أكثرمما تقدم له حلولا”.
وأكد في هذا السياق أن طرح مشروع دليل وطني لتقييم الأثر، على طاولة الحوار العمومي، هو في جوهره رغبة جادة للقطع مع هذه المقاربات الانطباعية، ولتأسيس ثقافة جديدة قوامها الحساب الممنهج والتقييم الموضوعي المبني على الأدلة.
وشدد رئيس الهيئة على أنه يعد مقبولا اختزال فعالية السياسات العمومية في عدد التقارير أو حجم النفقات أو نسب الإنجاز، على اعتبار أن التجارب أثبتت أن هذه المقاربة كثيرا ما تنتج “قراءات شكلية ونتائج منفوخة وسرديات مؤسساتية مريحة“، لكنها في الغالب بعيدة كل البعد عن واقع المواطن، وِفقا لتعبير المتحدث.
وقال بخصوص هذه التقارير، إنها تمثل تقديرات أقل ما يمكن أن يقال في شأنها أنها قد تمنح وهما بالنجاعة، لكنها في نهاية المطاف تفتح الباب أمام سيل من المزايدات.
وجدد التأكيد على أن هذا اللقاء الدراسي، يمثل فرصة للانتقال من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الأثر، ومن ما وصفه ب”التقديرات الجزافية، إلى القياس العلمي الذي يرصد فعلية ما تحقق”.
بنعليلو لفت إلى أنه وفي زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والمؤسساتية، “لم يعد يكفي أن ننجز أو ننفذ، بل أصبح لزاما علينا أن نقيس، وأن نشرح، وأن نثبت للمواطن أن الموارد العمومية تترجم إلى نتائج ملموسة في حياته اليومية.”
وشرح بنعليلو قياس الأثر على أنه ليس رقما يدون في التقارير الوصفية، بل هو تحول في السلوك، وتغيير في الممارسات، وانخفاض في كلفة الفساد، وارتفاع في منسوب الثقة العامة، وتحسين في جودة الخدمات العمومية.
وأوضح أن الانتقال نحو تقييم الأثر هو إعلان عن نقلة منهجية “تنتقل بنا من منطق التدبير الذي يحاسبنا على ما قمنا به من خطوات، إلى ما أحدثناه من تغيير”، مفسرا أن الأمر يتعلق ب”انتقال من مقاربة تثمن الكم إلى مقاربة تثمن القيمة، ومن سياسة تستعرض ما ينجز إلى سياسة تسائل ما ينفع الناس”.

