كشف تقرير حديث أن مستقبل “جيل Z” في المغرب يسير في اتجاه ثلاث سيناريوهات محتملة، مبرزا أن استشراف مستقبل الجيل مبني على تحليل تفاعلي يربط بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبين قدرة الدولة والمؤسسات على مواكبة توقعات هذا الجيل وتوجيه طاقاته.
وأوضح التقرير الصادر عن مركز المؤشر للدراسات والأبحاث والمعنون بـ “من التغريدات إلى الاحتجاجات: جيل Z بالمغرب نحو فهم شامل لوعي جديد” أن هذه السيناريوهات لا تعكس مجرد توقعات نظرية، بل مسارات واقعية يمكن أن تشكل مستقبل العلاقة بين الشباب والمجتمع والدولة خلال السنوات المقبلة.
وأضاف المصدر ذاته أن سيناريوهات تطور جيل زيد رهينة بمنظومة معقدة من المتغيرات التي تتداخل فيها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والفرص المتاحة داخل الدولة، مع طبيعة القيم والسلوكيات التي ترسخت لدى الجيل خلال العقود الأخيرة.
وذكر المصدر ذاته أن السيناريو الأول يقوم على فرضية الاندماج التدريجي، حيث تتجه علاقات الجيل مع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية نحو نوع من التوافق الذي يقوم على إعادة تعريف الأدوار وتحديث آليات الوساطة، ويعتمد على قدرة الدولة على إدماج الشباب في سوق الشغل، ودعم ريادة الأعمال والتعليم والتكوين لضمان اكتساب المهارات المطلوبة.
ويتطلب هذا السيناريو أن تعيد المؤسسات السياسية النظر في أساليب التواصل والتمثيل، وأن تعتمد قنوات تفاعلية أكثر مباشرة وشفافية، مبرزا أنه عند تحقق هذه الشروط، يمكن أن تتقلص الفجوة بين توقعات الشباب وإمكانات الدولة، مما يساهم في تأسيس مرحلة جديدة من الاستقرار الاجتماعي القائم على الثقة.
ويستند سيناريو الاندماج، بحسب التقرير، إلى مجموعة من المؤشرات لدى “جيلZ”، أبرزها المشاركة الانتقائية، والاهتمام بالمهارات الرقمية والابتكار، والرغبة في مسارات مهنية متنوعة، ما يعكس استعدادا للاندماج داخل المؤسسات شريطة توفر بيئة تسمح بتقدير الأداء وتوظيف القدرات.
وواصل التقرير ذاته أن هذا الاندماج يظل رهينا بقدرة الدولة على تعديل سياساتها ومواكبة التحولات التقنية وتطوير نماذج جديدة للحماية الاجتماعية تناسب طبيعة العمل الجديدة، مردفة أن الجيل لا يرفض الانخراط في المؤسسات، لكنه يشترط أن يكون ذلك مبنيا على تعاقدات واضحة ونتائج ملموسة.
وأشار التقرير إلى أن السيناريو الثاني يعتمد على فرضية التوتر المستمر، ويظهر عندما تبقى الفجوة بين تطلعات “جيل Z” وقدرة الدولة على الاستجابة واسعة، مضيفا أن ذلك يحدث حين يظل النمو الاقتصادي غير قادر على خلق فرص عمل كافية، وحين يتراجع أداء المؤسسات في مخاطبة الشباب بلغته الرقمية ووعيه النقدي.
وأبرز أن هذا الوضع يؤدي إلى اتساع دائرة الاستياء، وإلى نزوع الجيل نحو أنماط مشاركة غير رسمية تنزع إلى الضغط أكثر مما تنزع إلى الاندماج، كما يؤدي إلى تشكل مشاعر الإحباط التي تترجم إلى انسحاب من الفعل العمومي أو إلى انخراط في مبادرات غير مؤطرة تسعى إلى فرض التغيير من خارج القنوات التقليدية.
وقال التقرير إن استمرار الفجوة بين وعود المؤسسات والنتائج على أرض الواقع، إضافة إلى مقارنة الشباب المستمرة بين الوضع المحلي والنماذج العالمية الرقمية، يدفع الجيل إلى اتخاذ المجال الرقمي بديلا للتعبير والمشاركة السياسية، ما ينتج عنه تراجع الروابط الاجتماعية التقليدية وظهور تيارات فكرية وقيمية متباينة بين من يتبنى رؤى راديكالية للتغيير ومن يختار الهروب الرمزي من الواقع، ما ينعكس في مشاركة مدنية متقطعة وغير مستقرة تعكس تراجع الثقة في جدية الإصلاحات.
أما السيناريو الثالث فيرى، وفق التقرير، أن “جيلZ” يتجه نحو الإبداع الريادي وبناء نماذج جديدة للعمل والإنتاج خارج البنيات التقليدية، مستفيدا من قدراته الرقمية والتعلم الذاتي، مما يتيح نشوء فضاءات اقتصادية واجتماعية موازية تقوم على العمل الحر والتجارة الإلكترونية والاقتصاد التشاركي والابتكار الاجتماعي، ما يجعل الدور الاقتصادي لهذا الجيل يفوق تأثيره السياسي داخل المؤسسات.
ويشترط هذا المسار توفر بيئة قانونية وتنظيمية مرنة، وحماية اجتماعية تقلل مخاطر العمل الحر، وبنية رقمية قوية قادرة على استيعاب التوسع في نماذج الإنتاج الجديدة، وإلا تحولت الريادة إلى مجازفة تزيد من هشاشة الشباب.
ويستند السيناريو إلى مؤشرات واقعية أبرزها ارتفاع نسبة الشباب المنخرط في التعلم الذاتي، واعتمادهم على مصادر دخل رقمية، وانتشار ثقافة الريادة بين الفئات الحضرية وشبه الحضرية، ما يعكس رغبة في التحرر من الوظائف التقليدية والعمومية، غير أنه يبقى محفوفا بتحديات أهمها خطر تعميق الفوارق بين الشباب القادرين على الولوج إلى الموارد الرقمية غير القادرين على ذلك.
وخلص التقرير إلى أن مستقبل “جيلZ” في المغرب يبقى مفتوحا على إمكانات متعددة، وأن الانتقال من سيناريو إلى آخر يعتمد على توازن دقيق بين قدرة الدولة على إدارة التغيير، واستعداد الشباب لتطوير مهاراتهم وتعديل سلوكاتهم، مرجحا أن السيناريو الأكثر واقعية هو السيناريو المركب الذي يدمج عناصر الاندماج والابتكار ويحد من التوتر عبر بناء مسار إصلاحي تدريجي قادر على خلق توافق جديد بين المجتمع والدولة.

