في لحظة ثقافية وفنية، تحمل أكثر من رسالة، اختار موقع “سفيركم” أن يخطو خطوة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها، من خلال مبادرة تكريم الدراما الأمازيغية، في حفل تكريم الدراما الرمضانية المغربية كل سنة، مبادرة لم تبن على وفرة الإمكانيات، ولا على دعم مؤسساتي كبير، بل انطلقت من قناعة راسخة بأن الاعتراف يبدأ بالفعل، مهما كان حجمه، وأن الإنصاف الثقافي لا ينتظر الظروف المثالية بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية.
هذا التكريم لم يكن لحظة احتفاء عابرة، ولا محاولة لركوب موجة ظرفية، ولم يكن حتى البداية بل ويحسب للإعلامية ابتسام مشكور ، أنها كانت السباقة إلى تكريم الدراما الأمازيغية الرمضانية وطنيا، قبل هذه المناسبة بسنوات، و هو تعبير عن وعي متزايد بأهمية رد الاعتبار للدراما الأمازيغية، التي ظلت لسنوات طويلة تشتغل في صمت، وتنتج رغم الإكراهات، وتبدع رغم التهميش، وتراكم تجربة فنية تستحق أن ترى وتناقش وتثمن.
لقد آمن “سفيركم” منذ البداية أن اللغة والثقافة، كما الفن الأمازيغي، ليست ترفا فكريا ولا خيارا ثانويا يمكن تأجيله، بل هي ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، ومن هذا المنطلق، جاء القرار بخوض هذا الرهان بإمكانيات ذاتية محدودة، ولكن برؤية واضحة، عنوانها عمل جاد يسعى إلى تثمين هذا المنتوج الوطني، بعمقه الحضاري والثقافي والفني، وإخراجه من دائرة التهميش إلى فضاء الاعتراف.
ورغم كل ما رافق هذه المبادرة من تفاعل إيجابي واحتفاء من طرف فاعلين ومهتمين، فإن “سفيركم” لا يدعي الكمال، ولا يعتبر ما تحقق نهاية المسار، بل على العكس، يقر بأن هناك نواقص، وأن أي تجربة في بداياتها لا بد أن تحمل معها هامشا من القصور، سواء على مستوى التنظيم، أو الاختيارات، أو حتى الشكل العام للمبادرة، غير أن هذا الوعي بالنقص لا يضعف التجربة، بل يمنحها فرصة للنضج والتطور.
وفي هذا الإطار، يثمن الموقع كل الملاحظات، التي عبر عنها متابعون ونقاد وفنانين وأهل الميدان، ويؤكد أنه استمع إليها بإمعان، دون حساسية أو دفاعية، لأن الإيمان الحقيقي بالمشروع، يمر عبر تقبل النقد، بل والبحث عنه أحيانا، فالنقد، في نظر “سفيركم”، ليس عائقا، بل هو أداة تصحيح وتوجيه، ورافعة أساسية للارتقاء بالمبادرات القادمة.
لقد اختار “سفيركم” أن يفتح هذا الورش بروح تشاركية، قوامها الإصغاء والانفتاح، إيمانا منه بأن تطوير أي فعل ثقافي لا يمكن أن يتم في عزلة، بل يحتاج إلى تفاعل مستمر مع مختلف الفاعلين، من مبدعين ونقاد وجمهور، لذلك، فإن كل من رحب بالمبادرة، وكل من احتفل بها، وكذلك كل من انتقدها وأبدى ملاحظاته، هو جزء من هذا المسار، وصوت مهم في بنائه.
إن هذا التكريم، في جوهره، ليس محطة نهاية، بل هو بداية طريق، بداية لفتح نوافذ جديدة نحو آفاق أوسع، يمكن من خلالها التفكير في مبادرات أكثر طموحا، وأكثر تأثيرا، سواء على مستوى دعم الإنتاج الدرامي الأمازيغي، أو خلق فضاءات للنقاش والتقييم، أو حتى الدفع نحو حضور أقوى لهذا الفن في الإعلام وفي الوعي الجماعي.
كما يطمح “سفيركم” إلى أن تتحول هذه المبادرة إلى تقليد ثقافي سنوي، يتطور سنة بعد أخرى، ويستفيد من كل التجارب السابقة، ومن كل الملاحظات المسجلة، ليصل في النهاية إلى مستوى يليق بقيمة الدراما الأمازيغية وبانتظارات جمهورها، وهذا الطموح، وإن بدا كبيرا، فإنه يظل ممكنا، ما دامت هناك إرادة للاستمرار، واستعداد للتعلم، وانفتاح على جميع الآراء.
ومن جهة أخرى، يطرح هذا المسار أسئلة أعمق، حول موقع الدراما الأمازيغية داخل السياسات الثقافية والإعلامية، وحول مدى استعداد مختلف المتدخلين لمنحها المكانة التي تستحقها، فتكريم مبادرة إعلامية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن يعوض الحاجة إلى رؤية شمولية تدمج هذا المكون في قلب المشروع الثقافي الوطني.
ومع ذلك، فإن المبادرات المستقلة، مثل تلك التي أطلقها “سفيركم”، تظل ضرورية، لأنها تفتح النقاش، وتكسر الجمود، وتدفع نحو التغيير، حتى وإن كان تدريجيا، فهي بمثابة إشارات صغيرة، لكنها متراكمة، تسهم في بناء وعي جماعي جديد، يدرك أن التنوع الثقافي ليس شعارا، بل ممارسة يومية تحتاج إلى دعم وتثمين.
وفي خضم هذا المسار، يجدد “سفيركم” التزامه بمواصلة العمل، بنفس الروح التي أطلقت هذه المبادرة روح تؤمن بأن الطريق طويل، لكن يستحق أن يسلك، روح تدرك أن الاعتراف لا يمنح دفعة واحدة، بل يبنى عبر تراكم المبادرات، وتطويرها، والانفتاح على نقدها.
سيواصل “سفيركم” بفريقه الشاب الطموح وإدارته الجادة هذا الطريق، بإصغاء لكل من احتفل، ولكل من انتقد، ولكل من اقترح، لأن الهدف ليس فقط تنظيم تكريم، بل بناء تجربة متكاملة، تتطور مع الوقت، وتسهم في إعادة الاعتبار للدراما الأمازيغية، كفن حي، وكذاكرة جماعية، وكجزء أصيل من هوية هذا الوطن.
وبين الإمكانيات المحدودة والطموحات الكبيرة، يختار “سفيركم” أن يراهن لا على الكمال، بل على الاستمرار، لأن البداية، مهما كانت متواضعة، تظل دائما الخطوة الأهم نحو الاعتراف.
ادريس بيكلم، صحفي بجريدة “سفيركم”

