اعتبر الكاتب عمر الزايدي أن البشر، في ظل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية الحالية، تحولوا إلى “آلة للتخريب” لا تقدم للطبيعة سوى النفايات والملوثات، منتقدا نمط العيش المعاصر القائم على الهوس بالاستهلاك وتجديد السلع حتى في غياب الحاجة إليها، مؤكدا في الوقت ذاته أن التغير المناخي ليس سوى عرض لمرض أعمق يرتبط بنمط الإنتاج والاستهلاك السائدين، داعيا إلى مراجعة جذرية لعلاقة الإنسان بالطبيعة.
وجاء ذلك خلال ندوة علمية احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، خصصت لقراءة في كتابه “إيديولوجيات الخوف والانهيار العالمي”، حيث أوضح أن النمو الاقتصادي منذ منتصف القرن العشرين اتخذ منحى تصاعديا أسّيا، توازى مع ارتفاع استهلاك الطاقة الأحفورية وانبعاث الغازات الدفيئة، ما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة بشكل خطير.
وشدد الزايدي على أن النمط الاقتصادي الخطي، القائم على استخراج الثروات وتحويلها إلى سلع ثم إلى نفايات، لم يعد صالحا للاستمرار، مبرزا أن الإنسان بات يستهلك بدافع الدفع الإعلاني والسوقي، فيستبدل أجهزته رغم صلاحيتها، في نموذج يعكس اختلالا عميقا في منظومة القيم وأنماط العيش.
وأوضح أن الإيكولوجيا لا تقتصر على البيئة فقط، بل تقوم على مثلث متكامل قاعدته البيئة، وضلعاه العلاقات الاجتماعية والمستحدثات التقنية المنتجة للثروة، معتبرا أن أي خلل في هذا التوازن ينعكس مباشرة على استقرار الكوكب، مشيرا إلى أن آثار الاحتباس الحراري، التي تسهم فيها بالأساس الدول الصناعية الكبرى، تتحمل تبعاتها بلدان الجنوب بشكل أكبر.
وتناول الزايدي في القسم الثاني من الكتاب ما أسماه “إيديولوجيات الخوف”، مصنفا إياها إلى ثلاث مستويات رئيسية: النيوليبرالية التي تؤطر الاستغلال والاحتكار وتنتج أشكالا متعددة من الخوف الاجتماعي، والأيديولوجيات الدينية المتطرفة بمختلف تجلياتها، ثم النزعات السيادية التي تعتبر الآخر غير شرعي وتعارض السياسات الكفيلة بالحد من ارتفاع الحرارة.
كما توقف عند التحول الجيولوجي من عصر “الهولوسين”، الذي اتسم باستقرار نسبي في المناخ وتوالي الفصول، إلى عصر “الأنثروبوسين” الذي باتت فيه بصمة الإنسان واضحة في اختلال التوازنات الطبيعية، من اضطراب الأمطار إلى تغير المواسم.
ودعا الزايدي إلى الاستعداد لسيناريوهات الانهيار المحتملة من خلال بناء آليات جماعية للتدبير المحلي، وتعزيز أشكال من الديمقراطية المباشرة تنبع من المجتمعات نفسها، باعتبارها شرطا لمواجهة الأزمات المقبلة وإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان وبيئته.

