بقلم: عمر فرخاني*
تعيش قضية ما أصبح يعرف بـ”قصر كريملين بوسكورة” حالة من الضبابية غير المسبوقة، حيث تتضارب المواقف والانفعالات في غياب معطيات رسمية دقيقة يمكن للرأي العام الاعتماد عليها.
فمنذ اندلاع الجدل، لم يصدر أي توضيح مؤسساتي شامل، ولم تنشر دراسات قانونية أو تقنية موثقة. ما نتابعه إلى الآن لا يعدو كونه أحكاما مسبقة، وانفعالات جماعية، وخطابات إدانة أو تعاطف، دون مستندات واضحة.
وفي انتظار ظهور المعطيات الرسمية، يبقى من الضروري طرح مجموعة من الأسئلة المهنية التي تساعد على فهم ما جرى، وتسهم في توجيه النقاش نحو المسار الصحيح.
أولا: أسئلة موجهة للسلطات والفاعلين الإعلاميين
1-هل حصلت البناية على ترخيص قانوني بالشكل الذي شيد به “القصر”؟
هل يتوافق المشروع كما نراه اليوم مع مضمون الترخيص الإداري الأصلي؟
2-هل تابعت الجهات التقنية المختصة سير الأشغال؟
هل وجد مهندس معماري، ومكتب دراسات، ومختبر مراقبة، يشرفون على المشروع كما تقتضي القوانين المنظمة للبناء؟
3-إذا لم يكن الترخيص مطابقا، فكيف تمكن المشروع من بلوغ هذا الحجم الهائل؟
كيف شيد هذا “المعلم” على مرأى الجميع؟
وهل كانت هناك فجوة في المراقبة، أو تساهل، أو تأخر في التدخل؟
4-ما هي المسطرة القانونية التي اعتمدت في اتخاذ قرار الهدم؟
5-هل صدرت إعذارات كتابية؟ هل تم احترام الآجال القانونية؟ وما هو دور القضاء في هذه المرحلة؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات، بل ضرورات مهنية لفهم الحقيقة.
ثانيا: قراءة أولية لمسار القضية
استنادا إلى الشهادات المتداولة وبعض المعطيات التي قدمتها مصادر إعلامية موثوقة، يمكن رسم الخطوط العريضة التالية:
1-الترخيص الأصلي منح لإنشاء إقامة ريفية بسيطة مرفوقة بتجهيزات فروسية.
2-التحول اللاحق: المشروع اتجه نحو بناء قاعة أفراح ضخمة بتصميم غير منسجم مع الطابع الريفي للمجال، ودون احترام مضمون الترخيص.
3-الإدارة وجهت إنذارات رسمية إلى مالك المشروع، ومنحته مهلة طويلة وصلت إلى ثلاث سنوات لتسوية الوضعية.
4-رغم ذلك، استمرت الأشغال وتم استكمال البناء رغم العلم المسبق بالمخالفة.
5-النتيجة: تنفيذ قرار الهدم وفق المساطر الإدارية المعلنة.
هذه الرواية – رغم انسجامها مع ما هو منشور – تبقى في حاجة إلى تأكيد رسمي.
ثالثا: بين القانون والسياسة… معالم مرحلة جديدة
القضية تتجاوز حدود البناء المخالف لتبرز تحولا عميقا في علاقة الدولة بالفضاء العمراني:
1-مرحلة قديمة اتسمت بالتساهل:
مرحلة كان فيها التغاضي عن مخالفات التعمير أمراً شائعاً في عدد من مناطق المغرب.
2-مرحلة جديدة أكثر صرامة:
مرحلة تسعى إلى تحرير الملك العام ومحاربة البناء غير القانوني دون استثناء، بحيث لم يعد أصحاب النفوذ في مأمن من المحاسبة.
3-إنعكاسات اجتماعية مؤلمة
الهدم – مهما كانت مبرراته القانونية – يظل إجراء قاسيا، وقد عاشت مئات الأسر في الأشهر الأخيرة آثارا درامية نتيجة هذه السياسة الجديدة.
لكن يبقى السؤال المركزي: هل يمكن بناء مدن نظيفة ومنظمة دون مواجهة تراكمات عقود من الفوضى العمرانية؟
رابعا: من الضحية؟ ومن المسؤول؟
•المالك عاش مأساة إنسانية واقتصادية بكل المقاييس: سنوات من الجهد والاستثمار، وحلم شخصي انتهى إلى لا شيء.
•السلطات طبقت القانون وفق ما يظهر من معطيات أولية.
•الإدارة السابقة تتحمل جزءا من الالتباس، إذ إن المشروع تم بناؤه على مدى سنوات دون حسم مبكر.
وبين هذا وذاك، يظل الرأي العام محتاجا إلى المعلومة الدقيقة لا إلى العواطف.
خامسا: الحاجة إلى الشفافية
اليوم، نحن في أمس الحاجة إلى:
•بلاغ رسمي واضح وشامل.
•توضيح قانوني وتقني مفصل.
•تحقيق صحافي مهني بعيد عن الإثارة.
•دور سياسي فاعل من الأحزاب والمؤسسات المنتخبة لتأطير النقاش.
خلاصة
إن قضية “قصر كريملين بوسكورة” ليست حادثا منفردا، بل هي مؤشر على مرحلة انتقالية يعيشها المغرب:
مرحلة محاولة فرض دولة القانون في مجال ظل لعقود مجالا للغموض والتجاوزات.
وبقدر ما نتفهم المأساة الإنسانية للمالك، فإننا نتفهم أيضا ضرورة تقوية دولة الحق.
لكن الحكم النهائي يبقى معلقا إلى حين أن تكشف السلطات كل المعطيات دون تأخير.
*مهندس معماري، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين

