بقلم: د. هشام برجاوي (أستاذ القانون الدولي – جامعة محمد الخامس، الرباط)
تأسست منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945، أي أنها تبلغ من العمر، الآن، 80 عاما. وهي بذلك، كائن قانوني يتوفر على رصيد وتراكم من تدبير الملفات الدولية، كما أنه يتأسس على عدد لا يستهان به من الموظفين وشبكة متشعبة من الأجهزة والوكالات والبرامج، مما يصبح معه جائزا الدفع بأننا أمام نموذج تنظيمي، طَوَّر ممارسة وتجربة، لا يتوقف المجتمع الدولي، أو شريحة هامة منه، على انتقادها ومساءلة منجزاتها، سيما وأن العالم يشهد تصاعد نزاعات مسلحة (مرئية وغير مرئية)، لم تتمكن منظمة الأمم المتحدة من إيقافها أو حلها أو حتى تخفيف شدتها.
طبعا، قسط من مصادر وأسباب القصور الوظيفي لمنظمة الأمم المتحدة يكمن خارج الإطار المؤسساتي الأممي، لكن العوامل الذاتية للقصور حاضرة بقوة أيضا، ولا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها، بل إن انطباع الرأي العام الكوني حول هذه المنظمة يعتبرها مؤسسة بيروقراطية غير قادرة على حسن تدبير التفاوت في القوة بين أعضائها.
ما عجزت عنه منظمة الأمم المتحدة طيلة ثمانية عقود مليئة بكم هائل من القرارات والتوصيات والتقارير والمذكرات، حققه دونالد ترامب خلال شهور معدودات، حيث تمكن من إنشاء آلية لحماية السلم في قطاع غزة، تضم ضباطا قادمين من دول مسلمة.
رغم أنه انتقد أداءها مِرارا، ولم تسلم من لسانه حتى مصاعد بنايتها المركزية الواقعة في مدينة نيو يورك، بيد أن دونالد ترامب لم يُحَجِّم دور المنظمة، التي نقلتها إلى الوجود معاهدة سان فرانسيسكو، إذ إن إحداث مجلس السلم وافق عليه مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة، بموجب قراره رقم S/RES/2803 (2025). وتبعا لذلك، فأعمال مجلس السلم المذكور، وكذا الهياكل التابعة له، منسجمة مع الشرعية الدولية، ونابعة منها، كما أنها تنشئ صنفا جديدا من الأجهزة الفرعية Les organes subsidiaires، وتوفر تطبيقا مبتكرا لمبدأ التفريع La subsidiarité في القانون الدولي العام، وخاصة، القانون الدستوري للمنظمات الدولية أو ما يسمى في فقه القانون الدولي العام Le droit constitutionnel sans État.
إن كانت قوة حماية الاستقرار المتفرعة عن مجلس السلم لم تأخذ الشكل الكلاسيكي لعملية حفظ سلام، بوصف هذه الأخيرة (أي عمليات حفظ السلام) جهازا فرعيا لمجلس الأمن الأممي يقع إنشاؤه طبقا لمقتضيات المادة 29 من ميثاق الأمم المتحدة، فإن الموافقة الصريحة على إحداث مجلس السلم، التي تضمنها القرار رقم 2803، تضفي على هذه الآلية متعددة الأطراف، التي يقودها دونالد ترامب، الشرعية القانونية الكاملة، مع استحضار مُعْطَيَيْن جوهريين:
– منح المقطع رقم 2 من القرار 2803 لمجلس السلم الشخصية الاعتبارية للقانون الدولي العام؛
– سبق لمجلس الأمن الأممي أن أقر آلية “تفويض المُفَوَّض” في ملف ليبيا، عندما أتاح للدول-الأعضاء التصرف، بصفة فردية، أو عبر اتفاقيات أو كيانات جهوية (استخدم المشرع الأممي الكلمة ذات الدلالة الواسعة: Organisme)، لإنفاذ القرار 1973 (المقطع رقم 4 من القرار S/RES/1973 (2011).
لذلك، فعزوف دول أوروبا الغربية عن الانخراط في مجلس السلم، والتذرع في سبيل ذلك بمسوغات شكلية ومسطرية، غير ناتج عن أسانيد قانونية، وإنما عن حساب سياسي مهووس بفرملة أي شكل من أشكال التناغم، سواء كان تكتيكيا/مؤقتا أو بنيويا، بين الجنوب العالمي Le sud global (روسيا والصين جزء منه) والولايات المتحدة الأمريكية.

