بقلم: ابتسام مشكور
عزيزتي غيثة،
ها أنت تستيقظين هذا الصباح في فراش منزلك، وبين أحضان عائلتك، بعد ثلاثة أيام في الجحيم.
كنت خلالها تحاكمين مرتين: مرة أمام النيابة العامة التي كانت رحيمة معك، ومرة أمام شعب السوشيال ميديا الذي جرى تحريضه عبر التشهير بك وتلفيق تهم بعيدة عنك، تلهب غريزة جمهور يتتبع حياة المشاهير كما تتبع القروش دم ضحيتها في عرض البحر.
أعرف أن جرح هذه التجربة سيبقى معك حتى تدخلي القبر.
وأعرف أن حياتك لن تعود إلى سابق هدوئها ومسارها قبل هذه المحنة.
وأعرف أن أصعب ما يواجهه الإنسان هو ظلم الناس حين يصبح القيل والقال أقوى من الحقيقة.
لكن، مع ذلك، أهمس في أذنك يا غيثة وأقول: كوني قوية. فنحن النساء منحنا الله قدرة على تحمل الأذى لم يمنحها للذكور، لا أقول الرجال.
عزيزتي غيثة، صدقيني، التجارب القاسية لا تكسر إلا الضعفاء، وأنت أقوى بكثير مما يظنون. فلا تسقطي في فخ “الإعدام الأخلاقي” الذي نصب لك من قبل مواقع الشر وقنوات الأذى التي تتغذى على لحم البشر.
لا تغطي وجهك، ولا تهربي من كاميرات التشهير وآلات الابتذال الصحافي. واجهيهم بكبرياء. قفي في وجوههم. هم من يجب أن يخجلوا، لا أنت. هم من يجب أن يدفنوا رؤوسهم في رمال العار، لا أنت.
فالنيابة العامة، وبعد ثلاثة أيام من البحث والتحري وجمع الأدلة، لم تجد ما يدينك أو يمس شعرة واحدة من براءتك، ولو أنها لم تحمي معطياتك الشخصية ولا نعرف كيف تسرب اسمك وهويتك..!
لكن تصرفي على هذا الأساس: تصرفي على مقتضى الحقيقة القضائية، لا بمقتضى التسريبات ومحاكمات الفيسبوك واليوتيوب والإنستغرام، التي لا تملك ذرة من الإنسانية ولا غراما من الخجل.
ابتسمي، قفي صلبة، شامخة، وذكري القساة أن ما حدث ليس سقوطك، بل سقوطهم هم.
عزيزتي غيثة، أنت فنانة موهوبة وصاحبة حس ساخر. فلا تترددي في أن تسخري من أعدائك، ومن أعداء المرأة، ومن أعداء دولة الحق والقانون، ومن أعداء قرينة البراءة. اجعلي من السخرية أداة لفهم الشر، وسلاحا لمحاربة الأشرار.
فمن كان يظن أن جملة في صحيفة، أو عبارة في فيديو، أو كلمة من صاحب ميكروفون، يمكن أن تقتل أسرع من رصاصة؟!
إن صحافة التشهير قد تعلمت فن القتل البطيء: بالمانشيت العريض، بالصورة الوقحة، بالتكرار المسموم، وبالترويج الممنهج للأكاذيب.
لكن تذكري، يا غيثة، أن الشر مهما علا صوته يبقى مؤقتا، وأن الحقيقة مهما خُنقت ستتنفس يوما.
تذكري أن السخرية ليست ضعفا، بل مقاومة، وأن صمودك اليوم ليس لنفسك فقط، بل لكل امرأة، ولكل فنانة، ولكل إنسان وقع ضحية ماكينة إعلام بلا قلب ومنشورات بلا ضمير.
انهضي… فالحياة أقوى من التشهير، والحقيقة أوسع من الكذب، والكرامة أسمى من كل مانشيت أو فيديو أو صورة.
حولي هذه المحنة إلى منحة، وتذكري يا غيثة أن هذا الوطن، مهما قسا أو جار، ظل خيط التوقير والتمكين فيه رابطا بين العرش والمرأة. من خطاب لالة عائشة في زمن الصمت مع جد الأمة محمد الخامس، إلى إصلاحات الملك محمد السادس التي جعلت من الارتقاء بكرامة المرأة حقا لا جدال فيه، حين قال في خطاب العرش: “وقد حرصنا منذ اعتلائنا العرش، على النهوض بوضعية المرأة، وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها.”
الرسالة ثابتة: كرامة المرأة هي كرامة المغرب، ولا ينهض وطن بنصف مكسور. فانهضي يا غيثة!

