الرئيسي

أحمد بوز يعيد الصحيفة ولوجورنال إلى “الصدور”: قراءة في كتاب سنوات الصحافة، أوراق من زمن “الصحيفة” و”لوجورنال”

بقلم: عبدالاله ابعيصيص

سأنطلق من حيث انطلق كاتبنا الأستاذ أحمد بوز، أقصد بذلك العنوان الرئيسي للكتاب “سنوات الصحافة” كأني به يشير إلى سنوات الرصاص. مغربيا ارتبطت كلمة “سنوات” بكلمة “الرصاص” في إحالة على سنوات القمع التي عاشها المغرب إبان مراحل متفرقة من عهد الملك الراحل الحسن الثاني. فالعنوان «سنوات الصحافة» يحمل إحالة رمزية واضحة وإن كانت غير مباشرة إلى ما تواضع المغاربة على تسميته “سنوات الرصاص” وهذه الإحالة ليست اعتباطية ولا لغوية فقط، بل سياسية ودلالية عميقة فعلى مستوى التناص الرمزي في الذاكرة المغربية، تركيب “سنوات” مضافة إلى اسم لم يعد بريئًا. فعبارة سنوات الرصاص رسّخت نموذجًا لغويًا يحيل على زمن استثنائي، كثيف القمع، ومشحون بالعنف الرمزي والمادي. وحين يختار أحمد بوز عنوان “سنوات الصحافة” فهو يستدعي هذا النموذج الدلالي دون أن يعيد إنتاجه حرفيًا. كأن الصحافة هنا تصبح هي الأخرى زمنا، لا مهنة، وزمنا محفوفا بالمخاطر التي لا تختلف دلاليا عن زمن الرصاص. و الرصاص ليست مساواة أخلاقية أو تاريخية بين التجربتين، لكنها مقارنة ضمنية بين أدوات السلطة وأدوات المقاومة .إذا كانت سنوات الرصاص زمن إخضاع الأجساد، فإن سنوات الصحافة هي زمن اختبار الكلمة : الرقابة بدل الاعتقال، المتابعة القضائية بدل الاختطاف، الخنق الاقتصادي بدل السجن وهذا ما يجعل العنوان شديد الذكاء: فهو يقول إن العنف تغيّر شكله، لكنه لم يختفِ، فالصحافة كاستمرار للصراع لا كقطيعة وبالتالي فالعنوان يوحي بأن تجربة الصحافة المستقلة لم تأتِ في جو ديمقراطي، بل في سياق انتقال ملتبس، حيث بدا وكأن “سنوات الرصاص” انتهت رسميا، لكنها استمرت بأشكال ناعمة. هنا تصبح الصحافة الحرة امتدادا لمعركة الذاكرة والحقيقة، لا مجرد مهنة إخبارية. لقد كان التلميح بدل التصريح اختيارا ذكيا من الكاتب حيث أنه لا يصرح بالإحالة حتى وإن جاء ذكر كلمة سنوات الرصاص مرات متعددة في متن النص، ولا يحمّل نفسه خطابا تقابليا مباشرا مع الدولة أو الماضي القمعي بل ترك الإحالة تعمل على مستوى الإيحاء، وتُترك للقارئ الواعي ليستكملها. وهذا ينسجم تماما مع روح الصحافة التي مارسها الكاتب: قول الكثير دون رفع الشعارات. مواجهة الأكاذيب بالوقائع…

في الصفحتين الرابعة والخامسة، قبل أن ينطلق السرد وحتى يأخذ بعدا إنسانيا وأخلاقيا بالغ الدلالة أو ربما ليهيئنا إلى تقبل البعد الإنساني الذي سنقابله في سيلي من صفحات الكتاب. يخصّص أحمد بوز هاتين الصفحتين لشكر أصدقاء كانوا سندًا حقيقيًا في لحظات دقيقة، وساهموا، كلٌّ بطريقته، في أن يرى هذا الكتاب النور. لا يكتفي بشكر عام، بل يقدّم اعترافًا صريحًا بفضل أشخاص قدّموا وثائق، وملاحظات، وقراءات دقيقة، وإضاءات فكرية جعلت النص أكثر وفاءً للتجربة التي يؤرخ لها. هذا الشكر ليس تفصيلاً عابرًا، بل امتداد لأخلاقيات صحافية تعترف بالعمل الجماعي وترفض وهم الكاتب المكتفي بذاته.والاسماء هي بالترتيب محمد حفيظ، غفور دهشور، عمر لبشيريت، محمد الساسي،  حسن طارق، عبدالرحيم الجامعي.

هذا الأخير الذي خص المؤلف بتقديم، والذي اختار له عنوانا دالا ومكثفا “سنوات الصحافة، صوت الحرية والتاريخ” وخص الصحيفة بوسم أكثر عمقا وهو ” “الصحيفة” اسم جيل، تقديم لا يرد في سياق تزكية شكلية، بل كإشارة رمزية إلى أن هذه التجربة نالت اعترافًا أخلاقيًا من أحد الأسماء التي اقترنت في الذاكرة الجماعية بالدفاع عن العدالة وحرية الصحافة. ومع ذلك، يصرّ أحمد بوز على أن النص لا يكتمل إلا بحكم القارئ، في موقف معرفي يعكس تواضعًا ووعيًا بأن الحقيقة الصحافية دائمًا متعددة الزوايا.

لقد انطلق أحمد بوز في سرد حكايته مع “الصحيفة” و”لوجورنال” بنص محمل بكثير من الشجن والحنين والذكريات عن واحد من الأسماء التي كان لها فضل بل أفضال عن الصحيفة وهو ” فاضل العراقي” كان الاهداء بلغة كسرت على الأقل بالنسبة لي ذلك “البوز الصارم” أو ذلك “ستالين” الذي وصف به نفسه فيما توالى من صفحات الكتاب. خصص الأستاذ أحمد بوز ستَّ صفحات للحديث بشجن عن فاضل العراقي وهو ما يمكن وصفه بفعل الوفاء الإنساني والمهني الذي  يتجاوز حدود التأبين العابر إلى كتابة ذاكرة شخصية وجماعية في آنٍ واحد. فالعراقي لا يُستحضر هنا فقط كأحد مُلّاك المؤسسة التي تصدر الصحيفة، بل كفاعل مؤسِّس في مسارها، وكرمز لعلاقة إنسانية نسجتها المهنة قبل أن يوحِّدها الفقد. هذا البسط السخي للصفحات يكشف أيضا شعورا مضاعفا بالخسارة: خسارة الشخص وخسارة الطقس الرمزي للتوديع. فغياب أحمد بوز عن جنازة فاضل العراقي بسبب تزامنها مع الحجر الصحي حول الكتابة نفسها إلى بديل عن الجنازة، وإلى فعل عزاء ولو متأخر، تعوَّض فيه لحظة الوداع الغائبة باستحضار المناقب والذكريات، وكأن النص يقوم مقام الحضور الجسدي الممنوع.

نفس الشجن كان قد تبدى من قبل في الاهداء الذي خص به اسرته الصغيرة التي ذكرها فردا فردا، ياسر وسحر وغسان وخص خديجة بما يمكن أن يعزي بعده عنها وبعدها عنه والوالدين بما يليق بهما من صفات الصبر والجلد وعزة النفس.

ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار هذا الاختيار تحريرا للكتابة الصحافية وانزياحا بها من جفافها الإخباري، وإعادةَ وصلٍ لها ببعدها الإنساني والأخلاقي، حيث يصبح الحزن مادة مشروعة للكتابة، ويغدو الامتنان موقفًا تحريريا. كما أن هذا الامتداد في الرثاء يشي برغبة في تثبيت الأسماء التي صنعت المؤسسة في مواجهة النسيان، خاصة في زمن الأزمات حيث تُختزل الحياة في أرقام وبلاغات رسمية.

في سنوات الصحافة، الكتاب، لا يقدّم أحمد بوز مجرد سردٍ لتجربة مهنية امتدت عبر الزمن، بل نجح في تشييد نص سيرذاتي بنكهة صحافية، وبلغة سردية متماسكة، زاوج فيه بين الذاكرة والتحليل، وبين الشهادة والموقف، دون ادعاء بطولة أو مهاجمة بطولة مضادة. رغم أنه عمل على الرد على كثير ممن غضبوا منه أحيانا خصوصا بعد أصدار كتابه المشترك مع صديقه الحميم محمد حفيظ “اليوسفي كما عشناه”  أو أغضبوه أحايين أخرى لهذا السبب أو ذاك… الكتاب يُقرأ بسلاسة لافتة، لا لأن اللغة ميسّرة فقط، بل لأن الأفكار مرتّبة بعناية، والمواقف موزونة، والسرد يتحرك بهدوء وذكاء بين الوقائع والأشخاص والأحداث وخصوصا المواضيع والملفات، كمن يعرف جيدًا ما يريد قوله وما يفضّل تركه لذكاء القارئ.

فمنذ الصفحات الأولى، يتضح أن أحمد بوز لا يكتب من موقع المؤرخ البارد ولا من موقع الصحافي الغاضب، بل من موقع الشاهد الواعي الذي عاش التجربة من الداخل: كاتبًا وقارئًا ومسؤولا في آن واحد. هذا الوعي الثلاثي الابعاد يمنح النص صدقيته، ويجنّبه السقوط في التبرير أو في تصفية الحسابات. فالأحداث تُروى كما جرت أو بلغة أدق كما يرى كاتبنا أنها جرت، فهو يصر على أنه ينتمي إلى صحافة تنتصر للوقائع لا للأكاذيب وأنا أنزهه عن الأكاذيب حتى وإن اختلفت في بعض الأحيان مع بعض تقديراته. لقد أصر طيلة صفحات الكتاب على سرد أحداث عاشها لكنه أحاطها دائما بسياقها السياسي والمهني والإنساني، مع حرص ذكي على تمرير المواقف والآراء دون مباشرة أو خطابية.

أحد أوجه قوة الكتاب يتمثل في استحضار أحمد بوز لعناوين صادمة لعدد من أعداد المجلة، عناوين لم تكن مجرد اختيارات تحريرية مثيرة، بل مواقف كاملة اختُزلت في جمل قصيرة. وقد نجح الكاتب في إظهار كيف أن هذه العناوين فجّرت ردود فعل متباينة: من الغاضب، وما أكثره، إلى المتحفظ، إلى المتقبل الذي رأى فيها تعبيرًا مشروعًا عن صحافة مستقلة لا تساوم. هنا، لا يحتفي بوز بالصدام لذاته، بل يضعه في إطاره الطبيعي كأحد المميزات القوية للصحافة الحرة. ويُحسب للكاتب أيضًا حرصه على إدراج تعاريف الصحافة كما صاغها كبار المنظّرين والأسماء الوازنة في تاريخ الصحافة المستقلة، فيربط التجربة المحلية بأفقها الكوني، ويؤكد أن ما عاشته الصحيفة ولوجورنال لم يكن استثناءً مغربيًا، بل جزءًا من مسار عالمي لصحافة تدفع دائمًا ثمن استقلالها.

“سنوات الصحافة” هو في الجوهر كتاب وفاء: وفاء لتجربة صحافية مستقلة، وفاء لأشخاص صنعوا الكواليس بصمت، ووفاء لفكرة الصحافة باعتبارها فعلًا جماعيًا وذاكرة مشتركة. إنه كتاب يقدّر القارئ، لا يلقّنه، ويحترم التجربة، لا يقدّسها. وبهذا المعنى، فهو ليس فقط شهادة على زمن صحافي صعب، بل مساهمة رصينة في حفظ ذاكرة الصحافة المغربية المستقلة، بصدقٍ وهدوءٍ وشجاعة نادرة.

آثرت ألا أخوض في كثير من تفاصيل الكتاب رغبة في الحفاظ على بعض التشويق الذي استشعرته لذلك يمكن اعتبار ما سبق وأن اشرت اليه مجرد مقدمة للاطلاع. إنه كتاب وثيقة تأريخية ومرجعية لكل من يريد الاطلاع على مرحلة حاسمة من تاريخ الصحافة بالمغرب .بل مرحلة مهمة وحاسمة من تاريخ المغرب.

Shortened URL
https://safircom.com/hji6
سفيركم

Recent Posts

كونفدرالية صيادلة المغرب تطالب الحكومة بتوضيح موقفها من فتح رأسمال الصيدليات

وجهت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، اليوم الاثنين، مراسلة رسمية إلى رئيس الحكومة. طالبت فيها بتوضيح…

34 دقيقة ago

بوريطة: إقصاء فئات من المجتمع يضعف مصداقية أي مسار انتخابي في إفريقيا

أكد ناصر بوريطة، اليوم الاثنين بالرباط، أن مصداقية أي عملية انتخابية تظل منقوصة إذا أقصت…

ساعة واحدة ago

مجلس المستشارين يصادق على مشروع قانون تنظيم مهنة العدول بالأغلبية

صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بـمجلس المستشارين، اليوم الاثنين، بالأغلبية على مشروع القانون رقم…

ساعتين ago

فاجعة في شفشاون.. غرق شابين في واد يعيد التذكير بحوادث مماثلة في الإقليم

شهد إقليم شفشاون، اليوم الاثنين، فاجعة جديدة أعادت تسليط الضوء على مخاطر السباحة في الأودية…

ساعتين ago

الأمير مولاي رشيد يترأس افتتاح الدورة الـ 18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب

ترأس الأمير مولاي رشيد، اليوم الاثنين بمشور الستينية – صهريج السواني بمكناس، حفل افتتاح الدورة…

3 ساعات ago

لقاء أدبي مغربي-إسباني ببلنسية لتعزيز الحوار الثقافي بين الضفتين

أعلنت القنصلية العامة للمملكة المغربية ببلنسية عن تنظيم لقاء أدبي يجمع كتابا إسبانا ومغاربة. وذلك…

3 ساعات ago

This website uses cookies.