أعمدة رأي

إنه “الغباء الاصطناعي”

بقلم: محمد حفيظ

مساء يوم الأحد، أرسل لي صديق، على الواتساب، فيديو تظهر فيه رئيسة مجلس مدينة الدار البيضاء، وهي تلقي كلاما من على منبر أمام حضور لا يظهر أفراده في المقطع المرسَل، لكن يبدو مما كُتِب على المنبر أن الأمر يتعلق باجتماع حزبي، وأن الحضور من أعضاء حزب المتحدثة.

يبدأ المقطع بكلام تقرأه الرئيسة من ورقة، وتقول فيه إن رئيس الحكومة قدم الدعم الكبير لمدينة الدار البيضاء، من خلال دعم مشاريع حيوية. وتكشف أن أخنوش أنقذ الدار البيضاء من الجفاف والعطش.

وتواصل الرئيسة كلامها بالدارجة: “واش عرفتو كون ما دَّخّْلْش السيد الرئيس المعضلة اللي كنا غلقاو فالدار البيضاء؟… كون ما دارش واحد يعني الأشياء (؟!) وباستعجال، كان الصيف اللي فات كنا غادي نْحلُّو الروبينيات أُو ما غلقاوش فيهم الما”.

لما استمعْتُ إلى هذا الكلام الذي يتضمنه مقطع الفيديو الذي لا تتجاوز مدته 34 ثانية، انتابني شك في صحته، وقلت مع نفسي قد يكون من صنف الفيديوهات المفبركة باستخدام الذكاء الاصطناعي، عبر تركيب الصوت مع الصورة وإنتاج محتوى مزيف.

بعدها، انتبهت إلى أن صديقي أَتْبَع ما أرسله إلي بتعليق يقول فيه: “يبدو لي أنه ذكاء اصطناعي. والله أعلم”. فتفاعلت مع تعليقه أوافقه الرأي فيه بكل اطمئنان: “أظن الأمر كذلك.. ملي كيستعملوه بحال هاكذا كيولي غباء اصطناعي هههه”.

إذن، لست وحدي من يشك في صحة هذا المقطع من الفيديو، ولست وحدي من يستبعد أن يصدر مثل هذا الكلام عن عمدة الدار البيضاء. لم يخطر ببالنا، صديقي وأنا، أن يصدر هذا الكلام عمن توجد على رأس أكبر مدينة في المغرب، وتتولى، منذ أكثر من أربع سنوات، تدبير شؤون العاصمة الاقتصادية وساكنتها.

لكن سيتبين لنا فيما بعد أن الفيديو غير مفبرك وغير مزيف، وليس من صنع الذكاء الاصطناعي. لقد ظلمنا، صديقي وأنا، الفيديو عندما شككنا في صحته، واعتقدنا أنه قد يكون من فعل فاعل مُغْرِض، ربما ممن يستهدفون الرئيسة أو رئيس الحكومة الذي هو رئيس حزبها. وظلمنا الذكاء الاصطناعي عندما نسبنا إليه الفيديو. فلو استعين بخدمات الذكاء الاصطناعي لما قَبِل أن يُحسب عليه هذا الكلام الذي أطلقته العمدة، فهو في النهاية ذكاء وليس غباءً.

المُزيِّفون المفترَضون، إذن، بريئون من فبركة هذا الفيديو، وكذلك الذكاء الاصطناعي بريء. فالقول في المقطع الذي وصلني هو ما قالته الرئيسة، بصوتها وصورتها.

إذا كانت الحقيقة الأولى هي أن المقطع ليس من صنع الذكاء الاصطناعي، فإن الحقيقة الثانية هي أن هذا المقطع نجح في أن يُقَدِّم عينة مُعَبِّرة عن “الغباء الاصطناعي”.

إن هذا المقطع يستحق أن يكون مرجعا لكل من أراد صناعة الغباء وتعميمه بين الناس. بل يمكن الاستفادة منه لتطوير أنظمة قادرة على إنتاج الغباء.

لقد أنجزت عمدة مدينتنا سَبْقا يُحْسَب لها في إبداع هذه العينة التي ستشكل مرجعا معتمدا للغباء الاصطناعي. وهي عينة واقعية وحقيقية لهذا “الغباء السياسي” الذي أصبح يُسير شؤون البلاد والعباد. بل إنها قدمت الدليل على أن “الغباء الاصطناعي” يمكن أن يتفوق على الذكاء الاصطناعي، عندما لم تجد أي حرج في أن تَبُثَّ في الجمهور ما نسبته من بركات إلى رئيس حزبها الذي تعلن على الملأ أنه أحيا أرض الدار البيضاء بعد موتها، وأبقى ساكنتها على قيد الحياة بعد أن سقاهم الماء الذي يعد أصل الحياة.

ولَكُم أن تتصوروا ما الذي يمكن أن تجنيه البلاد ويجنيه العباد عندما تجتمع السياسة مع الغباء! والمثال الحي هو الماثل أمامنا في هذا الكلام الذي أطلقته رئيسة مجلس مدينة الدار البيضاء.

تظن أنها تُحْسِن إلى رئيس حزبها، فإذا بها تسيء إليه. وتظن أنها تمدحه، فإذا بها تذمه. لقد استعملت، دون أن تدري، أسلوب التعريض والسخرية الذي حَوَّل الثناء على رئيس حزبها إلى قَدْح فيه، فسقطت في ما يسمى “المدح بما يشبه الذم”. ولا يحتاج المرء إلى بذل جهد لتحديد القرائن التي تكشف ذلك، سواء من خلال الألفاظ التي تلفظت بها أو من خلال السياق الذي اطلقت فيه الكلام.

ويكفي النظر إلى ما خَلَّفه كلام العمدة من تعليقات لم تَخْلُ من السخرية والتهكم عليها وعلى رئيس حزبها. وحتى من اختار التعليق بالجد لم يجد سبيلا للتعليق غير السخرية.

وللتذكير لعل الذكرى تنفع…، فإن رئيسة مجلس مدينة الدار البيضاء كانت قد عُيِّنت في 7 أكتوبر 2021 وزيرة للصحة والحماية الاجتماعية، لكنها لم تمكث في هذا المنصب إلا أياما معدودة. فبعد سبعة أيام فقط، وبالضبط في 14 أكتوبر 2021، سيعفيها الملك.

وكان التفسير الذي قدمه رئيس الحكومة حينها لتبرير ذلك الإعفاء السريع هو أن الملفات الموضوعة على طاولة مجلس مدينة الدار البيضاء ملفات كبرى وذات أولوية، وتستدعي التفرغ لها بشكل كامل. ولذلك، قدمت الوزيرة المعفاة ملتمسا قصد التفرغ الكامل لمهامها كرئيسة للمجلس!!

لقد كانت في حاجة إلى سبعة أيام فقط على رأس وزارة الصحة، حتى تكتشف حجم العمل الذي تتطلبه رئاسة مجلس مدينة الدار البيضاء! وما على البيضاويين إلا أن يتقدموا بالشكر الجزيل إلى تلك الأيام السبعة!

واليوم، بعد أربع سنوات، يتجلى بشكل ملموس ما جَنَتْه الدار البيضاء من هذا التفرغ الذي عاد على المدينة الكبرى وسكانها بالخير العميم. وما الماء، الذي يخرج من “الروبينيات” إلا دليلا حيا. ومن يشك في هذه “البركة العظيمة” فما عليه إلا أن يفتح “الروبينيات” ليرى بأم عينه الماء يتدفق منها!

أما “الروبينيات” التي تتدفق منها سوائل تُسِيل لعاب من يتربصون بثروات العاصمة الاقتصادية، سواء في وسطها الحضري أو في ضواحيها القروية، دون أن يكون لمن يمثلون سكانها أي فعل لحمايتها، فتلك حكاية أخرى لها مجالسها الخاصة.

في آخر المقطع الذي وصلني، وبعد أن أَرْجَعَتْ الفضلَ في خروج الماء من “الروبينيات” إلى رئيس الحكومة ورئيس حزبها، دعت العمدة، من يستمعون إليها، في ما يشبه الطلب بصيغة الأمر، إلى أن يشكروا الرئيس: “الله يخليكم شكرو السيد الرئيس”. لكن، يبدو أنها نسيت أن تطلب منهم، تقديرا للإنجاز الخارق للرئيس، أن يقوموا بحمده على نعمته التي أنعم بها على البيضاويين، بعدما سقاهم من جفاف وآمنهم من عطش.

Shortened URL
https://safircom.com/ou92
سفيركم

Recent Posts

بسبب تماطل الجامعة.. طلبة المعهد العالي لعلوم الصحة بسطات يواجهون خطر “ضياع فرصة”

يواجه طلبة المعهد العالي لعلوم الصحة بسطات، خطر "ضياع فرصة عمل"، بسبب تماطل جامعة الحسن…

4 ساعات ago

استئنافية الدار البيضاء تقرر إطلاق سراح معتقلي “جيل زد” في قضية “عرقلة الطريق السيار”

قررت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، اليوم الخميس 11 يونيو 2026، إطلاق سراح الشباب المتابعين على…

4 ساعات ago

تارودانت تناقش الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة

تستعد الكلية متعددة التخصصات بتارودانت لاحتضان أول ملتقى دولي حول الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة، يومي…

5 ساعات ago

الهجرة تشعل جدلا أمنيا جديدا في بريطانيا

دفعت سلسلة اضطرابات شهدتها مدن بريطانية ملف الهجرة في بريطانيا إلى واجهة النقاش العام، بعدما…

5 ساعات ago

22 دولة تطالب إيران بوقف هجمات خارجية

طالبت 22 دولة، بينها فرنسا والولايات المتحدة وأستراليا وعدد من الدول الأوروبية، إيران بوقف هجمات…

6 ساعات ago

النيجر يجرّم المثلية بعقوبات تصل إلى 20 سنة

أقرّ النيجر قانونا جنائيا جديدا يجرّم، لأول مرة، العلاقات المثلية وما وصفه النص القانوني بممارسات…

6 ساعات ago

This website uses cookies.