بقلم: عمر لبشيريت
خرج صُنّاع أزمة الصحافة في المغرب يتبارون في التبرير والتعويم والالتفاف والركوب على الفضيحة الأخيرة و”الاستثمار في الأزمة” (La récupération)، من دون أدنى ذرة خجل. وهذا دأب “المحترفين”، أو بالأحرى “الحَرّايفِيّة” الذين ابتُلِي بهم تدبير شؤون الصحافة.
ويبدو أن القوم يهيئون أنفسهم لأدوار قادمة، مطمئنين إلى مشروع القانون الخاص بالمجلس الوطني للصحافة، ومقدّمين أنفسهم كـ”حكماء” و”عارفين بالقانون”.
إن الخرجة الاضطرارية لصنّاع الأزمة داخل المجلس، كما خرجة الوزير الذي مدّد لهؤلاء، ليست سوى حملة انتخابية وحملة لتبييض القبح فوق جثة المجلس وأنقاضه. منتهى البشاعة واللامبالاة. نحن أمام “حْرايفيّة” حقيقيين.
الموضوع لم يعد تقنياً، أو قانونياً، فإغراق فضيحة المجلس في المقتضيات القانونية والإشكالات المسطرية، هو نوع من التضليل، كما لا يمكن “الأكل مع الذئب، والبكاء مع الراعي”. نحن أمام تجربة فاشلة، انتهت بفضيحة.
فإذا كان القانون يمنحكم حق اللجوء إلى القضاء ورفع دعوى ضد ما تعتبرونه “مداولات محاطة بالسرية”، فلا أحد يمكن أن ينتزع منكم هذا الحق. فاللجوء إلى القضاء حق مكفول للجميع، هيئات وأفرادًا. وحتى المتهمون والمتابعون لا يُحرَمون منه.
لكن حكاية التسريب لا يمكن أن تُستخدم لحجب الوقائع والممارسات التي كشفها هذا التسريب. ولا يمكن أن ننشغل بأسئلة من قبيل: من سرّب؟ ولماذا سرّب؟ وكيف وقع التسريب؟ ومن شارك فيه؟ ومن أمر به؟ ومن يقف وراءه؟ ومن له المصلحة فيه؟ ومن سيستفيد منه؟ … إلخ، وننسى جوهر القضية التي تُظهرها المقاطع المتداولة.
وعليكم أن تعلموا، كما أصبح الرأي العام يعلم، أنكم لم تعودوا مؤهّلين لتمثيل صحافيات وصحافيي المغرب.
لم تعودوا تتوفرون على الشروط التي تخوّلكم الجلوس على رأس مؤسسة وُجدت لتنظيم المهنة وحماية أخلاقياتها.
ولم تعودوا مؤهلين لممارسة مهمة تأديب الصحافيات والصحافيين.
إذا كانت لديكم ذرّة إحساس، فعليكم أن تقدّموا استقالاتكم من هذا المجلس، وأن تغادروا كراسيه التي لم تعد تحتمل من يقترف باسمها ما اقترفتموه.
الجؤوا إلى القضاء إذا أردتم، في موضوع التسريب.
لكن، ولأسباب أخلاقية، فإن استمراركم في المجلس يضعكم في حالة تنافٍ، ويمنعكم من مباشرة المهام التي وُجد من أجلها. ولذلك، عليكم أن تغادروا.
بل إنكم لم تعودوا تستحقون الانتماء إلى هذه المهنة التي تُلقّب بـ”صاحبة الجلالة”، بالنظر إلى جلال أدوارها في مجتمع لا يستطيع أن يحيا من دونها.
أما الذين عيّنوكم في هذه اللجنة المؤقتة، ومدّدوا لكم، فعليهم أن يقدّموا الاعتذار للصحافيات والصحافيين، وللمغرب وللمغاربة.
ولكن، هل ننتظر فعلًا اعتذارًا من الوزير؟ لو كان يدرك خطورة ما وقع وما كان يقع، لبادر من تلقاء نفسه، وبكل شجاعة، إلى سحب مشروع القانون الكارثي، والدعوة إلى وقفة صادقة مع جميع المعنيين لصوغ مشروع يليق بالصحافيين المغاربة، لا مشروع قانون على مقاس من صنعوا الأزمة ومن “شِلّتهم”.
ما يدعو إلى الاستغراب هو برودة الدم واللامبالاة التي يتصرّف بها الوزير. يواصل عناده وإصراره على تسليم رقاب الصحافيين المغاربة لأوليغارشية الناشرين. ل “بيرليسكوني” في النسخة المغربية.
من أين له بكل هذا الدم البارد أمام جثة متعفنة تُسمّى المجلس الوطني للصحافة؟ وكيف يسمح لنفسه بترقيع هذه الجثة وتقديمها لـ”فريقه” القادم ليُمعن فيها قتلاً؟
من أين يستمد هذه الجسارة؟ من أين يستمد الحماية؟ من حزبه أم من الحكومة؟ لا أظن ذلك. فالسياسي، وعلى بُعد أقل من سنة من الانتخابات، يحسب خطواته بالميليمتر، ويضع ألف حساب لنظرة الرأي العام والنخب.
فعندما يقف المرء متحديًا المجتمع، يبعث برسالة واضحة: صناديق الاقتراع لا تتحكم فيها السياسة.
إن استنكار مجتمع بأكمله لفضيحة الفيديو المسرّب، واصطفاف أزيد من 200 صحافي داخل المغرب، وأكثر من 100 صحافي بالمهجر، للمطالبة بحل المجلس وسحب مشروع القانون، إضافة إلى ملاحظات هيئتين دستوريتين (المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي)، ومعارضة هيئات ونقابات الصحافيين والناشرين… كل ذلك يقتضي، من باب المسؤولية، أن يراجع المرء نفسه، وأن يُنصِت لهذا الإجماع.
نحن أمام الدرجة صفر من السياسة، وتحت الصفر من المسؤولية.
هذا التحدّي، وهذا التنطّع، وهذه اللامبالاة تجاه تداعيات ما يقع وما سيخلّفه لدى الرأي العام ونخبه وهيئاته، تجعلنا نجزم – والجميع يعلم ذلك – أن قرار تسليم شؤون الصحافيين إلى فريق “وزارة الحقيقة” اتُّخذ قبل صياغة مشروع القانون؛ وما جاء هذا المشروع إلا ليلائم مقاس اللاعبين، لا غير.
ابتسموا أيها الصحافيون: “الأخ الأكبر يراقبكم”. ويقول لكم السيد “سايم”، كما في رواية 1984 لجورج أورويل، وهو يعرض تصوّره لـ”مجلس الصحافة”، عفوًا “وزارة الحقيقة”:
“لا نعطيهم شيئًا ليفكّروا به.
نحن نكتب ما يجب أن يُصدَّق، ونحذف ما يجب أن يُنسى.
ما تبقّى هو فراغ… والفراغ نملؤه نحن”.
كشف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس في بلاغ له اليوم، عن معطيات صادمة…
احتضنت مدينة مراكش، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، مراسيم توقيع اتفاقيتين هامتين بين وزارة النقل…
احتضن مسرح "توردينونا" التاريخي في العاصمة الإيطالية روما، أمس الثلاثاء، أمسية فنية وروحية استثنائية أحيتها…
يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…
احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…
في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…
This website uses cookies.