أعمدة رأي

احتجاج جيل Z.. هل ينجح المغرب؟

بقلم: ابتسام مشكور

أليس المهم في الحياة أن نخطئ، بل أن نتعلم من أخطائنا؟

هذا هو الامتحان الذي عاشه المغرب مؤخرا، امتحان شارع صاخب غاضب فرضه جيل “Z”، كشف هشاشة الأساليب القديمة في مواجهة الغضب الشعبي، وعرى أخطاء قاتلة، لكنه لم يخلُ من دروس قاسية علمتنا كيف نصحح عيوبنا في الوقت المناسب.

هو ذا الوطن، حين يواجه نفسه بصدق، لا يخون الموعد.

نعم، أخطأت بعض العناصر الأمنية في تدبير وضبط الاحتجاجات، وما كان لها أن تعتقل “عباد الله” بتلك الصورة البشعة لمجرد خروجهم للمطالبة بحقوقهم في الصحة والتعليم والكرامة.

نعم، لم يكن من المقبول أن ينزلق بعض الشباب إلى تخريب ممتلكات الدولة والاعتداء على المواطنين كردّ فعل همجي.

لكن الأهم من كل ذلك أن الطرفين أدركا سريعا أخطاءهما وتعلّما منها، على الأقل في الميدان.

ما عشناه ورأيناه لم يكن حدثا عابرا، بل امتحانا عمليا جماعيا اختبر “تمغربيت” فينا، واختبر مدى نضجنا سلطة وشعبا، وقدرتنا على تجاوز الأزمات ببعض من التعقل والشجاعة و”شوية” من التنازل.

وهذا ما نراه يتحقق اليوم في بلدنا وإن كان ببطء شديد.

أجهزة الأمن تراجعت عن “الهراوة وشد هذا العلوي وطلع هذا الحاج” بكثير من الحكمة والرزانة، واكتفت بدورها في حماية الحق في التظاهر وضمان سلميته.

وجيل الشباب أدرك بوعي أن حرية التعبير مسؤولية، وأن السلمية نقطة قوة مطالبه المشروعة، وأن الوطن لن يخسر في هذا التمرين ما دام فيه عقلاء.

في مقال سابق بعنوان “أوقفوا الزفت” تحدثت عن أن الاستثمار الحقيقي ليس في الإسمنت ولا في البنيان، بل في الإنسان.
واليوم تعود الفكرة نفسها بإلحاح أكبر.

القمع والخوف والهراوات لم تعد أدوات فعالة في زمن جيل “Z”، بل صارت من بقايا زمن ولى. هي أفعال متجاوزة لا تصنع استقرارا ولا تربي أجيالا ولا تحل أزمة، فقط تعطينا أجيالا من “الضباع” كما قال السوسيولوجي الراحل محمد كسوس ذات محاضرة في زمن الملك الحسن الثاني رحمهما الله: “إنه لا خير يُرجى من بلاد بأكملها، ومن نظام سياسي واقتصادي واجتماعي بأكمله، إذا كان يعتمد على سياسة التجويع والتضييع والتمقليع، إذا كان شباب هذه البلاد يعاني من تخوف مستمر حول عيشه أولا وقبل كل شيء، ويعاني في مستوى ثانٍ من سياسة على صعيد التعليم وعلى صعيد الثقافة وعلى صعيد التأطير الفكري والإيديولوجي، تحاول خلق جيل جديد لم نعرفه في المغرب، جيل الضبوعة”.

إذن، لماذا هذا الإصرار على “التضبيع”؟

لماذا لا نصغي إلى شبابنا ونحول هذه اللحظة إلى فرصة للتغيير، ولإعادة البناء بلا عقد نقص ولا هواجس سلطة ولا منطق تخوين، نبدأ من الأصل: بناء الإنسان؟

نحن أمام جيل لا يعارض الملكية، ولا يحمل خصومة مع الأجهزة الأمنية.

جيل لا يبحث عن صدام ولا يريد تقويض الدولة، يطالب فقط بتغيير السياسات التي عمقت الفقر، ووسعت رقعة البطالة، وكرست التهميش و”الحكرة”، ومحاسبة النخب المسؤولة عن كل ذلك.

يريد حياة بكرامة.
وتعليما يفتح الأفق.
وعلاجا يصون إنسانيته.

وهي القطاعات التي ظلت تمثل جرحنا المفتوح ونقطة ضعفنا المزمنة، تجرنا إلى ذيل التصنيفات العالمية وتكبح كل محاولاتنا للنهوض بين الأمم.

لماذا لا نستغل هذه الفرصة التاريخية لنراجع فيها خياراتنا ونتصالح مع أجيال الغد ونحتضن حلمهم؟ “هادوا أولادنا ماشي عديان نخونوهم”.

لماذا لا نرسم معهم أفقا أوسع وأجمل لمغربنا، فهم رجاله ونساؤه مستقبلا؟ ومن يرى في احتجاجهم تهديدا، قاصر النظر والفكر.
لماذا لا نجعل من صرخاتهم نقطة انطلاق لسياسات أكثر عدلا وإنصافا؟ لا يعقل في كل حركة احتجاجية يقودها الشباب “يلقاو التهم على المقاس”.

عندما خرج جيل “Z” مطالبا بالتعليم والصحة والكرامة، كان ينتظر تفاعلا إيجابيا مع مطالبه.

لكن الحكومة كانت لها فلسفة أخرى، اعتقدت أن التعالي والتجاهل والقبضة الأمنية كفيلة بإنهاء الاحتجاج: “متنزلش للعب الدراري”، ولم تنتبه أن هذه المقاربة هي “اللعب الخايب”، وأن الحناجر ستصدح في الساحات العمومية بصوت أعلى، وأن سقف المطالب سيرتفع لينادي برحيلها ومحاسبتها حتى..

بقاؤه في الشارع أكثر من أسبوع رسالة لا تقبل التأويل.
هذا جيل لا يمل ولا يتراجع، ولا يمكن احتواؤه بسياسات الاستخفاف التي تختزل الغضب الشعبي في عبارة “خليهم يتسلوا”.

هذا جيل نضج قبل أوانه وطفح كيله من واقع التهميش اليومي، وهو يرى أسرته تكابد مصاريف التعليم وتعاني في طوابير الصحة.
إنه باختصار نتاج تجربة عيش قاسية – le vécu – صنعت وعيه ومطالبه وأسلوب احتجاجه، جعلته أكثر وعيا وأقل خوفا وأشد إصرارا على حقوقه.

لم يخرج إلى الشارع للعب أو التسلية، بل ليقول بصوت واضح إن السياسات الحالية لم تعد تقنعه ولا تلبي أبسط حقوقه ليقول إن الأفق مسدود مسدود مسدود يا بلدي.

والكرة اليوم في ملعب حكومة “تستاهلوا أحسن”.

كنت قبل يومين في مدينة أمستردام الهولندية، على هامش ندوة صحفية حضرها عدد مهم من أفراد الجالية المغربية.
وكما جرت العادة، قدمت نفسي قبل طرح سؤالي، وما إن عرف بعض الحضور أنني صحافية حتى اقتربوا مني بعد الندوة، يسألون ويطلبون تفسيرا لما يجري من احتجاجات في المغرب.

لمست عندهم متابعة دقيقة للشأن الوطني، واطلاعا عميقا بروح “تمغربيت” التي تنتصر دوما للاعتدال وللحلول الإيجابية.
أحدهم قال لي: “أنا بعد مع جيل زد، عندهم الحق يخرجوا لتحسين الأوضاع، ولكن تا البوليس والمخازنية مساكن راهُم أولاد الشعب… علاش مخليين الشعب يتواجه مع الشعب؟ يديروا حل.”

جملة عابرة “يديروا حل” في أمسية عابرة، لكنها كانت أبلغ من خطبة سياسية.
لأنها تلخص جوهر المزاج المغربي: شعب يراهن على العقل والحوار، لا على كسر العظام ولا كسر الوطن.

فهل يا ترى “غيديروا الحل” أصحاب العقد والحل؟ وأي حل؟ من يعش يحكي!.

Shortened URL
https://safircom.com/p0re
ابتسام مشكور

Recent Posts

اشتراط الماستر من أجل اجتياز امتحان المحاماة يضع نواب الأمة تحت الضغط

يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…

15 دقيقة ago

كفاءات مغربية لمواجهة تحديات إفريقيا.. “منتدى المعادن” بالرباط يفتح آفاق التشغيل والسيادة الطاقية

احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…

50 دقيقة ago

وهبي يستشهد بالقرآن في معركة المحاماة: سمعت كلاما وصل حد الإهانة وسأحمي المهنة لا الأشخاص

في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…

ساعتين ago

بعد تداول فرضيات جديدة.. رئيس معهد الجيوفيزياء: زلزال الحوز طبيعي 100%

عاد الجدل مجددا على منصات التواصل الاجتماعي، حول أسباب زلزال الحوز. بعدما تداول بعض النشطاء…

ساعتين ago

العزوف عن الزواج.. بنزاكور: غياب التأهيل النفسي يفاقم حالات الطلاق بالمغرب

حذر محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، من دخول المغرب مرحلة ديموغرافية حرجة تتسم بتراجع…

3 ساعات ago

الوصية بانتقال إذن التربية بين الإحكام وبين الاشتباه

بقلم: د. سعيد بيهي توالت محاولات التهوين - المؤسسة على الاِشْتِبَاهِ - مِن شأن "الوصية…

3 ساعات ago

This website uses cookies.