بقلم: فطيمة فوزي (فاعلة حقوقية)
ليس العيد في عدد الأضاحي التي تُذبح، ولا في الأصوات التي تملأ الفضاء بالتكبير ثم تخفت مع نهاية المناسبة، بل في قدرة الإنسان على أن ينتصر، ولو مرة واحدة، على الوحش الذي يسكن داخله. فالمعنى العميق لكل شعيرة لم يكن يومًا مرتبطًا بالشكل وحده، وإنما بما تتركه في النفس من أثر، وما تبنيه في الوعي من قيم، وما تغيّره في علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالعالم.
لكن ما يحدث اليوم يكشف مفارقة مؤلمة؛ فكلما ازدادت الطقوس حضورًا، بدا الإنسان أكثر ابتعادًا عن جوهرها. تُذبح ملايين الأضاحي كل عام، ومع ذلك لا تزال المجاعة تجد مكانها على موائد العالم، ولا تزال الحروب قادرة على ابتلاع المدن والأطفال والأحلام. تُرفع الأدعية في الصباح، ثم يعود الإنسان في المساء إلى قسوته القديمة، إلى أنانيته الصغيرة، إلى صراعاته التافهة، وإلى صمته الطويل أمام الظلم والتفاوت والإهانة اليومية للكرامة الإنسانية.
لقد تحوّل العيد، عند كثيرين، من لحظة للتأمل في المعنى إلى موسم للاستهلاك الجماعي. أصبح الاهتمام موجّهًا نحو التفاصيل الخارجية، بينما تُرك السؤال الجوهري معلقًا دون مواجهة: ماذا تغيّر فعلًا داخل الإنسان؟ ما قيمة الشعائر إذا كانت عاجزة عن إنتاج وعي يرفض الجهل، أو ضمير يقاوم الفساد، أو إنسان يرى في العدالة جزءًا من الإيمان لا فكرة مؤجلة في الخطب والكلمات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قيمة روحية هو أن تتحول إلى عادة اجتماعية تُمارس بلا تفكير. حينها يصبح الشكل قادرًا على ابتلاع الجوهر بالكامل. يؤدي الناس الطقوس بدقة، لكنهم ينسون مقاصدها؛ يتقنون المظاهر، لكنهم يفشلون في بناء الإنسان. ولذلك تبدو المجتمعات أحيانًا وكأنها تعيش انفصالًا غريبًا بين كثافة التدين في الفضاء العام، وبين اتساع مشاهد الحقد والتعصب والتفاوت والخضوع والتبعية في الواقع اليومي.
ولعل المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود الفقر أو الحروب أو الجهل، بل في اعتيادها، وفي قدرة الإنسان على التعايش معها دون أن يشعر بالصدمة. يصبح الجائع مجرد رقم، والقتيل خبرًا عابرًا، والمظلوم تفصيلًا يوميًا لا يوقظ الضمير. هنا بالتحديد يكبر الوحش الداخلي؛ ليس باعتباره غضبًا صاخبًا، بل باعتباره برودًا أخلاقيًا يجعل الإنسان يرى الألم ثم يواصل حياته كأن شيئًا لم يكن.
العيد، في جوهره، لم يكن احتفالًا بالوفرة ولا استعراضًا للشكل، بل محاولة رمزية لتذكير الإنسان بأن أخطر المعارك ليست تلك التي تدور خارجنا، بل تلك التي تدور في الداخل. فذبح الأضحية لا يحمل معناه الحقيقي إلا حين يصبح الإنسان قادرًا على ذبح شيء من جشعه، من قسوته، من تعاليه، ومن استسلامه للأفكار الجاهزة والخوف والتبعية.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الطقوس الفارغة بقدر ما يحتاج إلى إنسان أكثر وعيًا ورحمة وعدالة. يحتاج إلى شعائر تُعيد بناء المعنى، لا إلى مظاهر تُخفي الفراغ. لأن الأوطان لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الحروب، بل تنهار أيضًا حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والزينة، بين الجوهر والشكل، وبين الإيمان الذي يحرّر الإنسان، والإيمان الذي يتحول إلى مجرد عادة لا تغيّر شيئًا في الحياة.
أورد موقع “أكسيوس” أن مفاوضين أمريكيين وإيرانيين توصلوا إلى اتفاق حول مذكرة تفاهم تمتد لـ60…
خلف عيد الأضحى، لهذه السنة موجة استياء واسعة لدى المواطنين، ظهرت آثارها على مستوى أسواق…
يواصل حجاج بيت الله الحرام، اليوم الخميس (ثاني أيام عيد الأضحى – أول أيام التشريق)،…
تتجه أنظار عدد من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز نحو الدولي المغربي عبد الصمد الزلزولي، لاعب…
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جدل جديدة، بعدما هدد بشكل غير مسبوق بـ”نسف” سلطنة…
هنأ الملك محمد السادس المتسلقة المغربية نوال صفنضلة، عقب تحقيقها صعودا متزامنا لقمتي إيفيريست ولوتسي،…
This website uses cookies.