بعد أن أعلنت الحكومة الإسبانية، الاثنين، إطلاق عملية تسوية استثنائية لأوضاع المهاجرين غير النظاميين المقيمين في البلاد، والتي سيستفيد منها أكثر من نصف مليون شخص، أجرت “سفيركم” حوارا مع المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسباني، عبد الحميد البجوقي، للوقوف على خلفيات هذا القرار، وسياقاته السياسية والاقتصادية، وانعكاساته المحتملة داخليا وأوروبيا.
ما السياق السياسي الذي جاءت فيه عملية التسوية الجماعية للمهاجرين؟
بخصوص التسوية، فهي في الأصل مقترح كان مطروحا منذ مدة من طرف الحكومة الائتلافية، التي تضم الحزب الاشتراكي العمالي وبعض الأحزاب اليسارية، قبل خروج “بوديموس” من الائتلاف الحكومي. غير أن السياق الحالي يبدو مختلفا، ويرتبط بعجز حكومة بيدرو سانشيز عن تمرير مشروع الميزانية منذ ثلاث سنوات متتالية بسبب حالة “البلوكاج”، وهو وضع غير مسبوق في إسبانيا، إضافة إلى عدد من الأزمات منها أزمة القطارات.
إلى جانب ذلك، كان حزب “معا من أجل كتالونيا”، الذي لا يزال زعيمه يقيم في بلجيكا، قد اشترط في مفاوضاته السابقة لدعم سانشيز تفويت ملف الهجرة والمهاجرين ووضعيتهم القانونية إلى الحكومة الجهوية في كتالونيا. وفي هذا الظرف المعقد، يبدو أن بيدرو سانشيز يلعب على حبال دقيقة جدا في هذا الملف، فقد كان حزب “بوديموس” من بين الأطراف التي عارضت سابقا تفويت ملف الهجرة إلى الحكومة الجهوية، لكنه قبل بذلك الآن، وكان أول من أعلن التوصل إلى اتفاق مع سانشيز على إصدار ظهير حكومي في ملف المهاجرين دون المرور عبر البرلمان. والنظام الإسباني يسمح بهذه الصيغة في ما يتعلق بالقوانين التنظيمية، ونحن هنا أمام قانون تنظيمي لقانون الهجرة.
ومن خلال هذا القانون سيتم تسوية وضعية ما يقدر بنحو 500 ألف مهاجر في وضعية غير قانونية، مع التأكيد على أن هذا الرقم يبقى تقديريا فقط، نظرا لغياب إحصاءات دقيقة، وصعوبة ضبط الأعداد الحقيقية، إذ تشير بعض الاستطلاعات إلى أن العدد قد يصل إلى 800 ألف شخص.
ما الجديد الذي يحمله هذا القانون التنظيمي مقارنة بالتسويات السابقة؟
الجديد في هذا القانون التنظيمي، الذي وافق عليه حزب “بوديموس” والمتعلق بتفويت صلاحيات الهجرة إلى جهة كتالونيا، هو بساطة الشروط بشكل غير مسبوق، فقد شهدت إسبانيا سبع عمليات تسوية سابقة، غير أن الشروط الحالية تعد من بين الأبسط في تاريخ هذه التسويات، إذ يكفي أن يثبت المهاجر أنه كان مقيما في إسبانيا خلال الأشهر الخمسة الماضية، بأي وثيقة كانت، أو بأي دليل بسيط، ودون الحاجة إلى عقد عمل.
وبمجرد تسوية وضعيته القانونية، يمكنه بعد ذلك البحث عن عمل.
ما الغايات من تبسيط هذه الإجراءات؟ وكيف سينعكس ذلك على إسبانيا؟
السوق الإسبانية، رغم الأزمة السياسية الحادة، تسجل حاليا أدنى معدلات البطالة وفق معطيات رسمية صادرة عن البنك الأوروبي، وليس وفق ادعاءات حكومية. وهذا يعكس وجود حاجة ملحة لليد العاملة في قطاعات تعرف نموا ملحوظا، مثل السياحة، والبناء، والخدمات، والفلاحة.
إضافة إلى ذلك، تعرف إسبانيا تراجعا كبيرا في معدلات الولادات، ما يشكل أزمة ديمغرافية حقيقية. وحتى “الباطرونا” لم تبد أي معارضة لهذا القانون، بل تبدو مرتاحة له، وتسعى إلى تسوية أوضاع المهاجرين، نظرا للحاجة الماسة إلى اليد العاملة، فالوضع الحالي قائم بالفعل على مساهمة المهاجرين، لكن بطرق غير قانونية، والرغبة الآن هي تسوية أوضاعهم، لأن الاقتصاد الإسباني في حاجة حقيقية إليهم.
هل يرتبط هذا القرار بشخص بيدرو سانشيز أم بتوجه سياسي أوسع؟
هذا الإلحاح لا يرتبط فقط ببيدرو سانشيز، بل هو بالأساس إلحاح من الطرف اليساري داخل الحكومة الائتلافية، الذي كان يضغط منذ مدة من أجل اتخاذ هذه الخطوة. اليوم، يتم تنفيذها ليس فقط بشكل تكتيكي، بل بشكل استراتيجي، ففي ظل الأزمة السياسية وخروج بعض أطراف التحالف، استطاع سانشيز إرضاء هذه القوى اليسارية لتجاوز حالة الانسداد السياسي.
كما أن هذا القرار يحقق فائدتين أساسيتين مرتبطتين، من جهة بدعم الاقتصاد الإسباني، وفائدة أخرى مرتبطة بتحسين وضعية المهاجرين.
كيف تلقى المجتمع الإسباني هذه الخطوة؟
أعتقد أن المجتمع الإسباني لن يكون ضد تسوية وضعية المهاجرين، لأنه من غير الواقعي تصور طرد ما يقارب 500 ألف شخص. وحتى إن كانت هناك إرادة سياسية لذلك، فلا تتوفر القدرات الاقتصادية والمادية لتنفيذه، وفي المقابل، فإن تحويلهم إلى وضعية قانونية يوفر نوعا من الأمان المجتمعي. كما أن البطالة في صفوف الإسبان ليست مرتفعة إلى درجة تسمح بتغذية الخطاب اليميني القائم على اتهام المهاجرين بسرقة مناصب الشغل.
غير أن هذا لا ينفي وجود ردود فعل ذات عمق إيديولوجي، تستعمل الخطاب المعادي للهجرة، خاصة عبر توظيف مسألة الأمن، وادعاء أن المهاجرين سبب انعدام الأمن. وهذا الخطاب يتقنه الحزب اليميني المتطرف “فوكس”، الذي عارض بشدة تسوية أوضاع المهاجرين، واتهم سانشيز بمحاولة استبدال المواطنين الإسبان بأجانب من أجل البقاء في الحكم.
أما اليمين المحافظ، فلم يكن ضد التسوية من حيث المبدأ. فزعيم المعارضة عن الحزب الشعبي، ألبرتو نونييث فيخو، اعتبر أن هذه ليست الوسيلة المثلى، مؤكدا أن التسوية الجماعية قد تشجع على مزيد من الهجرة، وأن الحل، في نظره، يجب أن يكون فرديا وليس جماعيا.
وفي العمق، فإن المجتمع الإسباني غير منزعج من هذه التسوية، لأن الجميع يدرك أن المهاجرين، حتى وهم في وضعية غير نظامية، ساهموا في إنقاذ نظام التضامن الاجتماعي الخاص بالمعاشات. فمساهمتهم في هذا الصندوق أساسية، خاصة في ظل شيخوخة المجتمع الإسباني.
وأغلب المهاجرين في إسبانيا شباب، ونحو 90 في المائة منهم يشتغلون. ووفق قراءة اقتصادية، تستفيد إسبانيا من هذه التسوية، أما وفق قراءة سياسية إيديولوجية، فإن اليمين، واليمين المتطرف خصوصا، يستعملان هذا الملف لمواجهة حكومة بيدرو سانشيز.
إسبانيا تبدو وكأنها تسير عكس توجهات باقي دول الاتحاد الأوروبي، كيف تفسرون ذلك؟
إسبانيا بالفعل تعد استثناء في التعامل مع ملف الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي. فالحكومة الإسبانية تعد من بين الحكومات اليسارية القليلة المتبقية في الاتحاد الأوروبي، مع بعض الاستثناءات المحدودة. واليسار تاريخيا يتبنى مواقف أكثر تضامنا وتفاعلا مع حقوق المهاجرين.
في المقابل، نجد دولا مثل إيطاليا، التي تحكمها قوى يمينية متطرفة، وتنتهج سياسات صارمة ضد الهجرة. وعلى مستوى الخطاب السياسي داخل الاتحاد الأوروبي، هناك خطان متوازيان، خطاب سياسي يحمل المهاجرين مسؤولية تهديد الأمن والاستقرار، ويصورهم كعبء على أنظمة الرعاية الاجتماعية، وهو خطاب يحقق مكاسب انتخابية، وفي المقابل، تؤكد الإحصائيات والتقارير واستطلاعات الرأي أن أوروبا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى يد عاملة شابة وقادرة على دعم النشاط الاقتصادي.
كيف تعيش المجتمعات الأوروبية هذا التناقض؟
المجتمعات الأوروبية تعيش بين نارين، نار الخطاب الإيديولوجي القائم على كراهية الآخر، ونار الحاجة الحقيقية إلى المهاجرين. وهذه المجتمعات ليست ساذجة، فهي ترى بوضوح الأدوار التي يقوم بها المهاجرون. فمن يشتغل في البيوت؟ ومن يعمل في دور رعاية المسنين؟ ومن يشتغل في قطاع النظافة؟
في كتالونيا، مثلا، يعد قطاع النظافة من أكبر القطاعات العمالية، ونحو 98 في المائة من العاملين فيه من المهاجرين. كما أن القطاع الفلاحي قد يتوقف في حال غياب المهاجرين، إذ يشكلون حوالي 90 في المائة من اليد العاملة فيه، ومعظمهم من المغاربة.
هذا التناقض تجلى بوضوح في تصريح أحد أرباب العمل بإحدى القرى التي شهدت اعتداء على مواطن إسباني، حين قال: “نحن محتاجون إلى المهاجرين، لكننا لا نريدهم في المقاهي والساحات، بل نريدهم فقط في الحقول”.
المواطن الأوروبي يتبنى، في الآن ذاته، خطابا يقوم على تحميل المهاجر مسؤولية الأزمات، ووعيا واضحا بأن الاقتصاد الأوروبي بدونهم سيتجه نحو الانهيار. وهذا الوعي حاضر لدى حكومة سانشيز، التي أظهرت جرأة في هذا الملف، كما في مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية.

