الرئيسي

المحروقات بالمغرب: الحقيقة التي ينتظرها المواطن

أشرف بولمقوس – باحث في العلوم السياسية

في القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية للمواطن، لا يحتاج الناس إلى كثير من الخطابات، بل إلى قدر من الوضوح والصدق. فالمواطن المغربي، الذي يعيش منذ سنوات تحت ضغط متواصل لارتفاع الأسعار، لم يعد يسأل كثيرًا عن الأسباب بقدر ما يبحث عن تفسير بسيط لسؤال واحد: لماذا ترتفع أسعار المحروقات بسرعة في المغرب، لكنها نادرًا ما تنخفض بالوتيرة نفسها عندما تتراجع الأسعار عالميًا؟

لقد عشنا جميعًا مرحلة ارتفاع غير مسبوق للأسعار خلال جائحة كوفيد-19، ثم خلال تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية. وقد قُدمت هذه الأحداث، في حينها، باعتبارها تفسيرات منطقية لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: ماذا حدث بعد ذلك؟ فقد شهدت الأسواق الدولية فترات عديدة من تراجع أسعار النفط، لكن هذا التراجع لم ينعكس بالقدر نفسه على السوق الوطنية. والنتيجة أن المواطن المغربي ما زال يؤدي فاتورة أزمات عالمية انتهى تأثيرها أو تراجع منذ مدة.

اللافت في النقاش العمومي حول أسعار المحروقات هو كثرة التبريرات وقلة الإجابات. فمرة يُقال إن السبب هو تقلبات السوق الدولية، ومرة تُستحضر كلفة النقل والتخزين، ومرة أخرى يُشار إلى مسألة الاحتياطي الوطني من المحروقات، الذي يُقال إنه يكفي لشهرين. غير أن المفارقة التي تثير الاستغراب هي أن الزيادات في الأسعار قد تُطبق أحيانًا في ظرف أيام أو أسبوع واحد فقط، بينما يفترض أن وجود احتياطي لعدة أسابيع يمنح السوق هامشًا من الاستقرار ويخفف من أثر التقلبات السريعة في الأسعار الدولية. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان الاحتياطي يغطي شهرين، فلماذا يشعر المواطن بتأثير أي ارتفاع عالمي بشكل شبه فوري؟

في التجارب المقارنة عبر العالم، يُنظر إلى دور الحكومات في مثل هذه الملفات باعتباره دورًا تدخليًا لحماية التوازن الاجتماعي. فحين ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، تلجأ العديد من الدول إلى آليات مختلفة: دعم مؤقت، تخفيض الضرائب، أو حتى تقليص هوامش الربح في بعض القطاعات الحساسة، وذلك بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة الشرائية للمواطنين. فالمعادلة السياسية في النهاية واضحة: الاقتصاد يجب أن يخدم الاستقرار الاجتماعي، لا أن يتحول إلى عامل ضغط دائم على المجتمع.

غير أن السؤال الأكثر حساسية في السياق المغربي لا يتعلق فقط بالآليات الاقتصادية، بل بطبيعة العلاقة بين السلطة والاقتصاد. فحين يصبح الفاعل الاقتصادي نفسه فاعلًا سياسيًا في موقع القرار، تبرز إشكالية معروفة في العلوم السياسية والاقتصادية: تضارب المصالح. وهنا يطرح الرأي العام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة أي حكومة على اتخاذ قرارات قد تمس مصالح الفاعلين الاقتصاديين الكبار؟ خصوصًا إذا كانوا جزءًا من المنظومة السياسية نفسها.

إن النقاش حول أسعار المحروقات ليس نقاشًا تقنيًا صرفًا، بل هو في جوهره نقاش حول الثقة. فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب ببساطة قدرًا من الشفافية: كيف تُحدد الأسعار؟ ما حجم هوامش الربح؟ وما هي الآليات التي تضمن أن السوق تعمل وفق قواعد المنافسة العادلة لا وفق منطق الاحتكار و الجشع؟

وهنا يبرز سؤال أعمق: هل نحن فعلًا أمام اقتصاد سوق كما يُقال؟ فاقتصاد السوق، في تعريفه الكلاسيكي، ليس مرادفًا للجشع ولا لترك الأسعار تتحرك دون ضوابط. بل يقوم على قواعد واضحة، في مقدمتها المنافسة الحقيقية، ومنع الاحتكار، والشفافية في تحديد الأسعار، وتدخل الدولة حين يختل التوازن بين الربح المشروع والمصلحة العامة. أما حين تتحول السوق إلى فضاء ترتفع فيه الأسعار بسرعة، ولا تنخفض إلا نادرًا، فإن الشك يصبح مشروعًا حول طبيعة هذا النموذج الاقتصادي.

إن ما يحدث اقتصاديًا اليوم لا يقتصر أثره على الأرقام والمؤشرات، بل ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين. فالقدرة الشرائية ليست مجرد معطى اقتصادي، بل هي عنصر أساسي من عناصر الاستقرار الاجتماعي. وتاريخ المغرب نفسه يذكرنا بأن الخبز كان دائمًا أحد الضامنين الأساسيين للاستقرار؛ فكلما ضاق الهامش بين دخل المواطن وتكاليف معيشته، ارتفع منسوب التوتر الاجتماعي.

لهذا فإن تحري الحقيقة في ملف المحروقات لم يعد مجرد نقاش اقتصادي، بل أصبح ضرورة سياسية واجتماعية. لأن استمرار الغموض في قضية تمس حياة الناس اليومية يجعل الاقتصاد يبدو وكأنه قنبلة صامتة في قلب المجتمع.

ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن جوابًا صريحًا عنه: هل نحن أمام اقتصاد سوق تحكمه قواعد المنافسة والشفافية، أم أمام سوق تتحكم فيه موازين القوة والمصالح؟ وفي انتظار هذا الجواب، سيظل مطلب الحقيقة هو الحد الأدنى من العدالة التي يطلبها الناس.

Shortened URL
https://safircom.com/b0ah
سفيركم

Recent Posts

مواجهة التغير المناخي.. نقاش أكاديمي في المغرب حول الظواهر الجوية

تناقش الأكاديمية الملكية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات بالرباط تداعيات التغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة. يأتي…

9 ساعات ago

بحضور بوريطة والهمة.. الولايات المتحدة تفتتح قنصليتها الجديدة بالدار البيضاء

جرى اليوم الخميس افتتاح القنصلية الأمريكية العامة الجديدة بمدينة الدار البيضاء. في حفل حضرته شخصيات…

10 ساعات ago

أحمد عبادي: الحوار بين الأديان ضرورة وظيفية لمواجهة التحولات العالمية

لم يعد الحوار بين الأديان مجرد تمرين فكري، بل تحول إلى "ضرورة وظيفية" تفرضها التحولات…

10 ساعات ago

الجم: لم أستغل تعاطف الجمهور سوى من أجل المسرح

قال الفنان المغربي محمد الجم، والرئيس المؤسس لـ"جمعية أصدقاء محمد الجم للمسرح"، إنه لم يستغل…

11 ساعة ago

استقالة أحمد فطري من حزب الوحدة والديمقراطية بعد فشل الاندماج مع العدالة والتنمية

أعلن الدكتور أحمد فطري، الأمين العام لحزب الوحدة والديمقراطية، استقالته النهائية من مهامه ومن عضويته…

11 ساعة ago

بوجدة.. “النزاهة والوقاية من الفساد” تدخل مدرجات الجامعة

خطوة جديدة تستهدف إدماج الوسط الجامعي في جهود تخليق الحياة العامة. حيث تقرر إدراج وحدة…

12 ساعة ago

This website uses cookies.