بقلم: بصيرو با*
بعد أسبوع على النهائي الفوضوي للدورة الخامسة والثلاثين لكأس أمم إفريقيا لكرة القدم، الذي تُوِّج فيه السنغال بلقبه القاري الثاني، ما زلتُ إلى اليوم أكاد لا أصدق ما قرأتُ وسمعتُ ورأيتُ هنا وهناك، إلى حدّ يبعث على الذهول.
وأعني بذلك، بطبيعة الحال، تلك التصريحات المقزِّزة والمشبعة بالكراهية، التي صدرت عن بعض المشجعين في البلدين، من دون أدنى وخزٍ في الضمير. وقد وقفتُ على كمٍّ هائل منها، لكنني أُعفيكم من نقلها نظرًا لما تنطوي عليه من عنف لفظي.
وما صدمني أكثر من ذلك، هو أنني رأيتُ حتى بعض الجامعيين والصحفيين ينساقون وراء هذا المنحى، الذي يرمي إلى تقويض العلاقات العريقة التي تجمع بين السنغال والمغرب منذ قرون.
علاقات صاغها الإيمان…
لقد تشكّلت هذه العلاقات عبر تاريخ يعود، على الأقل، إلى القرن الحادي عشر، من خلال الإسلام.
وقد تعزّزت بفضل الطرق الصوفية، ولا سيما الطريقة التيجانية، التي أسهمت في جعل هذه الروابط على ما هي عليه اليوم: رافعة ومحفّزًا للتبادل بين البلدين.
ويتيح مقال نُشر سنة 1994 في حوليات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة داكار الوقوف على عمق محور السنغال–المغرب.
فقد كشف صاحبه، عمر كان، أن فرنسا الاستعمارية حاولت، خلال تلك الحقبة، الحدّ من الروابط بين الجماعات التيجانية على جانبي الصحراء، خوفًا من أن تتحول إلى «رابطة معادية» لمصالحها.
… وبالتبادلات التجارية…
وبما أن العلاقات الدينية تستلزم تنقّل المؤمنين بين المجالين، فقد أفضت بطبيعة الحال إلى تبادلات تجارية.
ويُعدّ البُعد التجاري عاملًا أساسيًا في العلاقات المغربية–السنغالية.
فأسواق المغرب وقيصارياته، ولا سيما في فاس والدار البيضاء، لم تكن تخلو يومًا من التجار السنغاليين، ولا تزال الحال على ما هي عليه اليوم.
كما توجد في السنغال جالية مهمة من التجار المغاربة. ويُرجع بعض الباحثين بدايات هجرتهم إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت مدينة سان لويس بوابة دخولهم.
وقد أحصى الدليل السنغالي سنة 1905 عددهم في 67 تاجرًا.
واليوم، سواء في سان لويس أو داكار، تُعدّ أسماء العائلات مثل برادة، بنيس، لحلو، برادة، أو بنغلون (وهي الصيغة المحلية لاسم بنجلون) أسماء شائعة في بلد ليوبولد سيدار سنغور.
… وبالامتزاج البشري…
وبالحديث عن الأسماء العائلية ذات الأصل المغربي، تحضرني واقعة طريفة. عندما وصلتُ إلى المغرب سنة 2000 طالبًا منحة من الوكالة المغربية للتعاون الدولي، كان في فوجنا طلبة يحملون أسماء مثل بنزكري وبنمساعد وغيرهم.
وأثناء مراقبة الهويات في مطار محمد الخامس، استوقف ذلك أحد رجال الشرطة، فشرع يخاطبهم بالدارجة. وحين أجابته إحداهن بالفرنسية بأنها سنغالية ولا تفهم الدارجة، استشاط غضبًا، ظانًّا أنها تسخر منه، على حدّ التعبير الدارج.
ثم إن الزيجات السنغالية–المغربية كثيرة جدًا، وبالتالي فإن عدد المواطنين مزدوجي الانتماء هو الآخر كبير.
وفي هذا الصدد، أستحضر واقعة أخرى. إذ بينما كنت أنتظر دوري لقضاء غرض إداري بالقنصلية السنغالية في الدار البيضاء، أخذت أطالع إعلانات الزواج المعلّقة على لوحة. وكان أكثر من 90% منها زيجات مختلطة.
وكنتُ كلما قصدت القنصلية أكرر الطقس ذاته، أي تصفح إعلانات الزواج. وذات مرة، سمعتُ سنغالية تتمتم في ركن قائلة:
«يا إلهي، ماذا فعلنا بإخوتنا السنغاليين حتى صاروا يتجاهلوننا جميعًا ويختارون المغربيات دون سوانا؟»
… وبدبلوماسية ثابتة لا تهتز…
إن الطابع الخاص للعلاقات بين المغرب والسنغال معروف لدى الجميع. ومن أبرز تجليات ذلك اتفاقية الاستقرار الموقعة في 27 مارس 1964 بداكار بين البلدين، ومثّلهما آنذاك دودو تيام وأحمد رضا اكديرة.
وجاء في المادة الأولى من هذه الاتفاقية أن «مواطني كل طرف يمكنهم الولوج إلى الوظائف العمومية في الدولة الأخرى وفق الشروط التي تحددها تلك الدولة».
ولا أعرف بلدًا آخر، لا في إفريقيا جنوب الصحراء ولا في المغرب العربي، تربطه بالمملكة اتفاقية مماثلة. وهذا وحده كفيل بالدلالة على متانة العلاقات بين البلدين.
في السنغال، تتعاقب الأنظمة، لكن الحفاظ على محور داكار–الرباط وتعزيزه يظل ثابتًا في السياسة الخارجية للبلاد.
وقد كانت الدبلوماسية السنغالية دائمًا في الصفوف الأمامية دفاعًا عن الوحدة الترابية للمغرب، خصوصًا في فترات كان فيها عدد قليل من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء يصطف إلى جانب موقف الرباط بشأن الصحراء.
ومن جهته، ظلّ المغرب يقف إلى جانب السنغال باستمرار، ولا سيما في الأوقات العصيبة. ومن أبرزها الأزمة السنغالية–الموريتانية المؤلمة سنة 1989، التي لعب فيها الملك الراحل الحسن الثاني دورًا محوريًا كوسيط يعمل في الخفاء.
وفي سنة 2003، وخلال سلسلة لقاءات مع الصحفي الفرنسي فيليب سانتني ضمن برنامج «الكتاب الذهبي» على إذاعة فرنسا الدولية، أدلى الرئيس السنغالي الأسبق عبدو ضيوف بكشف لافت يجدر التذكير به هنا.
إذ روى أنه، خلال ذلك النزاع الأخوي، قال له مسؤول رفيع المستوى، دون مواربة:
«سيدي الرئيس، اعلم أننا سندعم موريتانيا لأنها بلد عربي».
وبدل أن يتحلّى بالحكمة، كما فعل الملك الراحل الحسن الثاني عبر مساعيه الحميدة، فضّل ذلك المسؤول العراقي الاحتكام إلى الأيديولوجيا البعثية أو القومية العربية.
… حتى عندما يتعلق الأمر بكرة القدم
وللعودة إلى الدبلوماسية السنغالية، فهي ظلت واقفة إلى جانب المغرب حتى خارج ملف الصحراء.
هل تتذكرون صورة الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد إلى جانب الأمير مولاي رشيد، حين رافقه للدفاع عن ترشيح المغرب لتنظيم كأس العالم 2010؟
أذكر أن هذا الدعم قوبل آنذاك بسوء فهم من طرف كثير من الأفارقة جنوب الصحراء، الذين لم يستسيغوا أن ينحاز الرئيس واد إلى المملكة، وكانوا يرون أنه كان أجدر به دعم جنوب إفريقيا، على الأقل من أجل نيلسون مانديلا الذي حمل ملف بلاده في ذلك اليوم.
وخلاصة القول، إن كل ذلك يبيّن بما لا يدع مجالًا للشك أن العلاقات بين داكار والرباط ليست ظرفية أو عابرة.
فكل شيء يجمع البلدين، ولا سيما الثقافة. وفي هذا الإطار، شكّل مهرجان أصيلة، خصوصًا في عهد الراحل محمد بن عيسى، منصة مميزة للتقريب بين البلدين عبر التبادل الثقافي.
إن رؤية أناس يدوسون كل هذا الإرث بأقدامهم بسبب مباراة كرة قدم أمر مؤلم حقًا.
نعم، لقد تجاوزنا حدود المقبول حين سقطنا في فخّ المحرّضين وأتباع الفتنة.
ففي اليوم الموالي لذلك النهائي، اتصلتُ بأحد أبناء بلدي المقيمين في الدار البيضاء منذ قرابة عقدين، لأسأله عن شعوره بعد كل ما جرى.
فأخبرني أنه فوجئ، عند وصوله إلى مكتبه في اليوم التالي، بأن بعض زملائه الذين اعتاد مشاركتهم القهوة، ودعوتهم إلى بيته أحيانًا، باتوا يترددون في مخاطبته.
وحين طرحتُ السؤال نفسه على مغربي مقيم في السنغال، أجابني، بعد تنهيدة طويلة، بأن ثمة توترًا محسوسًا في الأجواء.
مرة أخرى، لقد تجاوزنا الحدود.
عندما يعلن الملك نهاية الاستراحة
لحسن الحظ، تدخل الملك محمد السادس عبر بلاغ وضع حدًّا لكل ذلك.
فقد ندد بـ«النوايا العدائية» و«الحقد» و«الفرقة»، مؤكّدًا أن «لا شيء يمكنه أن ينال من القرب الذي نما عبر القرون بين الشعوب الإفريقية».
كما أسهمت المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع نظيره عثمان سونكو، أعقبتها زيارة هذا الأخير إلى الرباط في إطار اللجنة العليا المشتركة للشراكة المغربية–السنغالية، في خفض منسوب التوتر.
وأود أن أختم بهذه اللمسة الإيجابية.
وُلِد طفلاي في المغرب. ورغم أنهما لا يحملان جواز السفر «الأخضر»، فإنهما يعلنان انتماءهما إلى هذا البلد.
ابنتي الصغرى، إيناس، تابعت المباراة النهائية لدى أسرة مغربية جاءت لاصطحابها.
وعندما عادت إلى البيت، سألتها:
– «من الذي فاز؟»
– «كلاهما فاز»، أجابتني.
وعلمتُ لاحقًا أنها كانت، مع صديقتها المغربية، تصفق لبونو عندما يقوم بتصدٍّ جميل، وتفعل الشيء نفسه مع ميندي.
وفي نهاية المطاف، أعتقد أنها كانت على حق: فاز الاثنان؛ السنغال بالكأس، والمغرب برهان التنظيم.
*صحافي سينغالي براديو كندا، خريج المعهد العالي للاعلام والاتصال بالرباط

