مجتمع

المغرب والحصول على بيانات “ميتا”.. تعاون أمني أم خرق للمعطيات الشخصية للمواطنين؟

أثار تقرير شركة “ميتا” الذي أفاد بأن المغرب قدم 1188 طلبا رسميا للحصول على بيانات مستخدمين مغاربة خلال سنة 2024، جدلا كبيرا حول حدود حماية المعطيات الشخصية. حيث اعتبر سعيد السلمي، مدير مركز شمال إفريقيا لحرية الإعلام، أن هذه الطلبات مبررة وتنسجم مع سياسة “ميتا” الرامية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة، بينما شدد أنور قورية، الخبير في الحكامة الرقمية على ضرورة التقيد الصارم بالإجراءات القضائية والرقابة المستقلة، محذرا من أن أي تجاوز أو طلبات غير رسمية قد يشكل خرقا صريحا لحق المواطنين في الخصوصية.

وكان قد كشف التقريرالصادر عن مركز الشفافية (Meta Transparency Center) التابع لشركة “ميتا”، المالكة لمنصات “فيسبوك” و”إنستغرام” و”واتساب”، أن عدد الطلبات التي تقدمت بها الحكومة المغربية للوصول إلى بيانات مستخدمي هذه المنصات بلغ خلال الفترة الممتدة من يناير إلى دجنبر 2024 ما مجموعه 1188 طلبا يتعلق بـ 1331 حساب، تنوعت بين 1183 طلبا متعلقا بالإجراءات القانونية و5 طلبات متعلقة بحالات الطوارئ.

واتصل موقع سفيركم الإلكتروني عدة مرات باللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي دون أن يتلقى أية إجابة.

السلمي: طلب المغرب لبيانات “ميتا” قانوني وضروري لمكافحة الإرهاب والجريمة

وأوضح سعيد السلمي، مدير مركز شمال إفريقيا لحرية الإعلام ، أن شركة “ميتا” تمنح البيانات للحكومات في حال كان طلبها متوافقا مع أشكال الجرائم التي تقدم حولها المعلومات، مبرزا أن الأجهزة الأمنية هي التي تبادر أولا بطلب الحصول على هذه البيانات، يليها القضاء في المرحلة الثانية، مضيفا أن سياسة “ميتا” تساعد الحكومات على مكافحة الإرهاب ومحاربة الجريمة.

وأكد أن حصول الحكومة المغربية على هذه البيانات ليس فيه أي خرق للقانون أو لحماية المعطيات الشخصية، لا سيما وأن مواقع التواصل الاجتماعي فضاء لا يخضع لسلطة الحكومات بل تتحكم فيه شركات كبرى، وأضاف أن ما يشهده هذا الفضاء من اختلالات، مثل انتشار الأخبار الزائفة والمضللة وارتكاب الجرائم الكبرى بما فيها الإرهاب، يبرر التعاون مع هذه الشركات، مذكرا بالحراك الذي شهدته فرنسا وكان محركه الأساسي الشبكات الاجتماعية.

ولفت إلى أن حرية التعبير الرقمية تعد حقا من حقوق الإنسان الأساسية المنصوص عليها في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تقول ” لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرِيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”، غير أن توظيف هذه الشبكات في ارتكاب الجرائم يوسع مجال المراقبة.

وذكر أن شبكات التواصل الاجتماعي التابعة لـ”ميتا” المعنية بطلبات الحصول على المعلومات الصادرة عن الحكومات، تشمل كل من فيسبوك، إنستغرام، ميسنجر، أوكولوس وواتساب، كما أشار إلى أن مصطلح الطلب القانوني (Legal process request) يعني أن طلب البيانات يتم في إطار قضية قضائية جارية أو قيد التحضير، بينما تندرج الطلبات الأخرى ضمن الحالات المستعجلة التي تهدف إلى منع وقوع جريمة ما.

ولم يقتصر تقرير شركة “ميتا” على المغرب فقط بل شمل مجموعة من دول العالم، من بينها فرنسا التي تقدمت خلال سنة 2024 بما مجموعه 32 ألفا و246 طلبا للكشف عن بيانات مستخدمي منصات “ميتا”، وبريطانيا بـ21 ألفا و684 طلبا، والولايات المتحدة الأمريكية بـ156 ألفا و556 طلبا، إلى جانب بلدان أخرى حول العالم.

قورية: حماية الخصوصية رهين بالرقابة القضائية والتطبيق الصارم للقانون

ومن جانبه، اعتبر الدكتور أنوار قورية، خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية، أن الوصول إلى بيانات المستخدمين في المملكة المغربية يتم، من الناحية النظرية والقانونية، بناء على أمر قضائي. فالقانون المغربي يضع إطارين أساسيين: أولا، قانون 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الذي يشترط أن يكون أي جمع أو معالجة للمعطيات ذات الطابع الشخصي قانونيا ومشروعا ومعلوما لصاحبها، مع وجوب موافقته إلا في حالات مستثناة بنص قانوني.

وواصل أن الإطار الثاني يتعلق بقانون المسطرة الجنائية، وخاصة الفصول من 59 إلى 62، التي تنظم ما يعرف بـ“التفتيش التقني” أو “التنصت”، قائلا: “لتقديم طلب كهذا، يجب على النيابة العامة أو قاضي التحقيق أن يتبع إجراء صارما يستند الى وجود جريمة، بحيث يجب أن يكون الطلب مرتبطا بجريمة موجودة (عادة ما تكون جنحة أو جناية، وليست مخالفة)، إجراء النيابة العامة أو قاضي التحقيق يستند الى مبدأ الضرورة والتناسب، بحيث يجب أن يكون الحصول على هذه البيانات إجراء ضروريا لا غنى عنه لكشف الحقيقة، وأن يكون متناسبا مع خطورة الجريمة، الاستناد أيضا إلى الأمر القضائي المسبب، ففي القضايا الأقل خطورة، يحتاج الوكيل العام للملك أو قاضي التحقيق إلى إذن من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أو من يقوم مقامه في القضايا المتعلقة بالإرهاب أو الجريمة المنظمة، تكون الصلاحية مخولة لرئيس النيابة العامة بموجب قانون مكافحة الإرهاب 03-03، ولكن حتى هنا، تخضع الممارسة لرقابة قضائية لاحقة.”

وأكد أن الإطار القانوني موجود، لكنه يشترط بشكل أساسي وجود سند قضائي، متسائلا في ذات الوقت عن مدى تطبيقه بصرامة ومدى فعالية الرقابة القضائية على هذه الطلبات لضمان عدم تجاوزها.

أما عن حق الحكومة في الاطلاع على بيانات المواطنين بمواقع التواصل الاجتماعي، قال قورية إن هذا الحق “مقيد بشروط وليس مطلقا”، مقسما الحكومة إلى جهتين، أولها، السلطة القضائية، ممثلة في النيابة العامة وقضاة التحقيق، التي يعد حقها وواجبها طلب هذه البيانات ضمن الإطار وبالضوابط المشددة، مبرزا أن هذا الحق يبقى مقبولا على الصعيد الدولي باعتباره جزء من عمل العدالة، وثانيها، السلطة التنفيذية، من أجهزة أمنية ووزارات، التي لا يمكنها نظريا طلب البيانات مباشرة من الشركات مثل “ميتا” إلا عبر القنوات الرسمية والقانونية، من خلال تقديم طلب إلى النيابة العامة التي تتولى هي بدورها التقدم إلى القاضي المختص.

وسجل أن الإشكال يكمن في كون الطلبات “غير الرسمية” أو خارج الإطار القضائي، والتي قد تتم عبر قنوات دبلوماسية أو أمنية مباشرة مع الشركة، دون المرور بالمسطرة القضائية المحلية، وهو ما يجعل تقارير الشفافية الصادرة عن هذه الشركات مهمة لأنها قد لا تعكس سوى الطلبات الرسمية، مردفا أن اتساع مفهوم “الأمن الوطني” يتم استخدامه أحيانا لتبرير تجاوزات قد تمس نشطاء وصحفيين ومعارضين.

واستطرد قورية أن “حق الحصول على بيانات المستخدمين المغاربة مكفول للجهات القضائية في إطار قانوني جد ضيق، أما بالنسبة للجهات التنفيذية، فحقها مشروط بالحصول على إذن قضائي مسبق، بمعنى أن أي تجاوز لهذا المبدأ يعد انتهاكا للقانون ولحقوق المواطنين”.

واعتبر الخبير السيبراني أن هذه الممارسات قد تشكل خرقا واضحا للمعطيات الشخصية في حالات متعددة، حيث ميز بين نوعين، الخرق الإجرائي، الذي يحصل عندما يتم الاستيلاء على البيانات بدون أمر قضائي أو بتفويض إداري فقط، أو حين تُستخدم البيانات لغرض مختلف عن الذي جُمعت لأجله (مثلا حين يتم استخدام بيانات تم الحصول عليها لغرض معين كمتابعة متهم بالإرهاب لغرض آخر مثل مراقبة نشطاء بيئيين أو نقابيين)، أو حين يتم تجاوز مبدأ التناسب، على سبيل المثال طلب بيانات عن جميع أصدقاء شخص مشتبه به بدلا من البيانات المرتبطة مباشرة بالتحقيق.

بينما يحصل الخرق الجوهري، الذي وصفه قورية بـ”الأخطر من سابقه”، عندما يكون القانون أو تطبيقه موضع إشكال، بسبب غموض النصوص أو غياب الرقابة القضائية الفعالة اللاحقة، أو عدم إشعار المواطن الذي تم جمع بيانات حوله بعد انتهاء مسار التحقيق، ما يمنحه الحق بعد ذلك في الطعن والإلغاء، وهي ضمانات معمول بها في أنظمة ديمقراطية عديدة.

وأضاف قائلا: “للأسف فإن غياب أو تغييب هذه المبادئ يجعل العملية برمتها تتم في السر، هناك أيضا الخرق على حق أساسي، ففي صلب الموضوع، هذه الممارسة، إذا خرجت عن الإطار القانوني الضيق، فهي تشكل خرقا مباشرا للخصوصية كحق أساسي من حقوق الإنسان، والمعترف به في الدستور المغربي (الفصل 24) والمواثيق الدولية”.

وخلص الخبير الرقمي بالقول: “إن الرقم المعلن 1188 طلبا، لا يمكن أن يمثل إدانة للسلطة التنفيذية، الإدانة تكمن في غياب الشفافية حول تفاصيل هذه الطلبات (كم منها كان بأمر قضائي؟ وما هي نوع الجرائم؟ وكم عدد الطلبات التي استجابت لها شركة “ميتا” فعلا؟) وغياب ضمانات الرقابة القوية والمستقلة التي تمنع تحول هذا الآلية القانونية إلى أداة للمراقبة الجماعية أو قمع الحريات.”

Shortened URL
https://safircom.com/9wqv
أمينة مطيع

Recent Posts

سحر “الحضرة الشفشاونية” يغزو روما في احتفالية يوبيل العلاقات مع الفاتيكان

احتضن مسرح "توردينونا" التاريخي في العاصمة الإيطالية روما، أمس الثلاثاء، أمسية فنية وروحية استثنائية أحيتها…

24 دقيقة ago

اشتراط الماستر من أجل اجتياز امتحان المحاماة يضع نواب الأمة تحت الضغط

يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…

49 دقيقة ago

كفاءات مغربية لمواجهة تحديات إفريقيا.. “منتدى المعادن” بالرباط يفتح آفاق التشغيل والسيادة الطاقية

احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…

ساعة واحدة ago

وهبي يستشهد بالقرآن في معركة المحاماة: سمعت كلاما وصل حد الإهانة وسأحمي المهنة لا الأشخاص

في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…

ساعتين ago

بعد تداول فرضيات جديدة.. رئيس معهد الجيوفيزياء: زلزال الحوز طبيعي 100%

عاد الجدل مجددا على منصات التواصل الاجتماعي، حول أسباب زلزال الحوز. بعدما تداول بعض النشطاء…

3 ساعات ago

العزوف عن الزواج.. بنزاكور: غياب التأهيل النفسي يفاقم حالات الطلاق بالمغرب

حذر محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، من دخول المغرب مرحلة ديموغرافية حرجة تتسم بتراجع…

3 ساعات ago

This website uses cookies.