الرئيسي

الملك يحكم.. الملك لا يحكم

بقلم: محمد حفيظ

عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام الحالي والأسبق لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، ليُثقل على الأسماع بكلامه المكرور عن أنه ضد الملكية البرلمانية. لم تَكْفِه كل هذه السنوات التي ظل يردد فيها هذا الكلام المعاد والممل.

الرجل يبذل مجهودا كبيرا لإقناع مخاطبيه في تجمعاته، ومن يستهدفهم عبر الفيديوهات التي يُعَمَّم فيها كلامه، بأن الملكية البرلمانية تشكل خطرا على المغرب والمغاربة، وعلى الملكية والملك، وعلى الدولة والنظام، وعلى الحاضر والمستقبل، وعلى الحياة وما بعد الممات…

يشرح لماذا هو ضد الملكية البرلمانية، ولماذا يرى فيها كل هذه الأخطار: “أشنو هي ملكية برلمانية؟” يسأل، ثم يجيب: “هي ملك يسود ولا يحكم. بمعنى آخر، ملك ما تيحكمش”. ويواصل الشرح، متحدثًا باسم المغاربة، بل وحتى باسم الملك: “الملك اللي ما تيحكمش، المغاربة ما عندهم ما يديرو بيه”.

هو ضد الملكية البرلمانية، لأنها، بحسبه، تريد أن تنزع الحكم من الملك. وهو لا يقبل أن يكون في المغرب ملك لا يحكم، وإلا فلا حاجة للمغاربة بالملك.

ثم في الخطاب نفسه، يقول مشددا هذه المرة على أنه سيكون صريحا: “سأكون صريحا معكم؛ المغرب لا يحكمه البرلمان، المغرب لا يحكمه رئيس الحكومة، المغرب يحكمه الملك، الملك هو الرئيس الحقيقي”.

أن يُذَكِّر مسؤول حزبي أعضاء حزبه أو مَنْ يهمه الأمر برأيه في طبيعة النظام السياسي الذي يراه صالحا للمغرب، فذلك شأنه، حتى لو أعاد التذكير به آلاف المرات. لكن عندما يَذْكُر، في سياق هذا التذكير، البرلمان ورئيس الحكومة ليشير إلى أنهما لا يحكمان، فإنه بكلامه هذا يُعفيهما من المسؤولية، ما دام الذي يحكم المغربَ هو الملك، وليس رئيس الحكومة أو البرلمان؛ إذ لا يعقل أن نُحاسب من لا يحكم. فالمحاسبة ترتبط بالمسؤولية، والمسؤولية تقع على من يحكم. وبحسب منطوق كلام بنكيران ومنطقه، فإن الذي ينبغي أن يكون معنيا بالمحاسبة والمساءلة هو الملك الذي يحكم.

لكنه، في المقابل، لا يجد أي مانع في محاسبة الحكومة التي يُقِرُّ بأنها لا تحكم! يؤكد أن الملك هو من يحكم، وفي الوقت نفسه يريد أن يحاسب الحكومة التي لا تحكم!

إذا كانت الحكومة لا تحكم، فإنها معفاة من المسؤولية وغير معنية بالمحاسبة. وفي هذه الحالة، عليه أن يتوجه إلى من يحكم وإلى “الرئيس الحقيقي” الذي بيده السلطة الفعلية. لكن يبدو أن طقوس الحملة الانتخابية من الضرورات التي تبيح المتناقضات.

يقول الكلام ونقيضه، مثلما كان يفعل الشيء ونقيضه لما كان رئيسا للحكومة؛ يَنْعم برئاسة الحكومة من الاثنين إلى الجمعة، ويستمتع بالمعارضة في “الويكاند”.

ولأنه يعي بأنه يقول الشي ونقيضه، يُكْثِر من سؤال مخاطبيه: “واش فهمتوني ولا لا؟”!!

*****

أعود إلى الملكية البرلمانية التي تُرعب بنكيران وتُطَيِّر النوم من جفونه. لكنه، في الحقيقة، يستخدمها ليهش بها على بعض خصومه، وله فيها أيضا مآرب أخرى.

يريد أن يظهر بأنه المدافع الأول عن الملك والملكية. يريد أن يتقمص دور “المدافع عن العرش”، مع الإذن من ريمي لوفو. يريد أن يُقَدِّم نفسه ملكيا أكثر من الملك.

ولذلك، يوهم مخاطبيه بأن هناك خصوما للملك وللملكية، يهددون استقرار المغرب، ويستهدفون نظامه، ويتربصون بملكه، ويجب التصدي لهم. ويُظهر أنه هو المؤهل لهذه المهمة “التاريخية” من أجل إنقاذ الملكية.

ولهذا، لا يفتأ يدعي، بمناسبة أو بدونها، أنه هو من أنقذ الملكية في سنة 2011 من الخطر الذي كان محدقا بها، حين عارض حركة 20 فبراير، ورفض الخروج إلى الشارع.

وها هو اليوم يُنَبِّه مرة أخرى إلى خطر الدعوة إلى الملكية البرلمانية وتجريد الملك من الحكم، ويعلن استعداده لمواجهة من يقفون وراء هذا الخطر.

ربما يأمل أن يعيد التاريخ نفسه. لكن التاريخ علمنا أنه لا يعيد نفسه. وإذا حدث أن أعادها، فإنه يعيدها في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة، على حد تعبير الفيلسوف وعالم الاجتماع كارل ماركس.

ألا يعلم بنكيران أنه أكثر من هذا التحذير من الملكية البرلمانية ومن التخويف من نزع الحكم عن الملك حد القرف؟

ألا يعلم أن الدستور نفسه لم يعد يهاب وصف الملكية في المغرب بـ”البرلمانية”، حين نص دستور 2011 في فصله الأول على أن “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”؟

ألا يعلم أن الملك نفسه، منذ 15 عاما، وهو بصدد تقديم دستور 2011 في خطابه ليوم 17 يونيو، استخدم هذا الوصف، عندما تحدث عن “ﺗﻜﺮﻳﺲ ﻣﻘﻮﻣﺎﺕ ﻭﺁﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻲ”؟

ألا يعلم أن الملك نفسه، وقبل دستور 2011، في خطابه ليوم 9 مارس 2011 الذي أعلن فيه عن إجراء التعديل الدستوري، تحدث عن “تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي”؟

وبغض النظر عن أي موقف من دستور 2011، فقد مَنَح هذا الدستورُ رئيسَ الحكومة صلاحيات لم يتمتع بها جميع من سبقوه، وكرّس للحكومة ورئيسها وضعا لم يتوفر للحكومات السابقة و”رؤسائها” في الدساتير السابقة، سواء على مستوى التأليف أو على مستوى الصلاحيات والسلطة التنفيذية المخولة لها. لكن، لسوء حظ المغرب ولسوء حظ المغاربة، لم تحظ أول ولاية حكومية بعد إقرار الدستور برئيس حكومة قادر على نقل هذه الصلاحيات وهذا الوضع من النص إلى الواقع.

كان بنكيران أول رئيس حكومة يتولى مهامه في ظل هذا الدستور، لكنه أفرغ هذه الصلاحيات من محتواها، ولم يمارسها كاملة وفعلية كرئيس للحكومة. وكرّس بذلك ممارسة عادت بالمغرب إلى ما قبل دستور 2011، بل إلى ما قبل دستور 1996. ورسم الطريق لمن جاءا بعده ليحذوا حذوه في العمل تحت سقف الدستور. وها هو، وبعد أن أصبح خارج الحكومة، “يجاهد” من أجل ينتمي المغرب إلى زمن الملكيات المطلقة.

إن للتاريخ مسارا، وهو لا يعود إلى الوراء، ولو رغب الكارهون للتاريخ وأحكامه. ومسار التاريخ يتجه في اتجاه ملكية برلمانية، ولن يتوقف عند ملكية مطلقة.

التجارب المقارنة تفيد بأن الملكيات انطلقت من أنظمة مطلقة، ثم أخذت تتحول تدريجيا إلى أن وصلت إلى أنظمة الملكية البرلمانية. فكلما انتقلت الملكيات من مرحلة إلى أخرى، تقل سلطات الملك الذي يرث المنصب، وتزداد سلطات المؤسسات التي ينتخبها الشعب.

ومعلوم أن النموذج الديمقراطي الذي أرسته التجربة البشرية في إطار نظام ملكي وراثي هو نظام الملكية البرلمانية.

عندما يفسر بنكيران لماذا هو ضد الملكية البرلمانية، ويشرح عبارة “ملك يسود ولا يحكم” بتلك الطريقة الفجة، فإنه يكشف أنه لا يفهم لا “الملكية البرلمانية”، ولا عبارة “يسود ولا يحكم”. إنه فقط يُغَلِّط مخاطبيه والرأي العام، ويمارس التضليل السياسي، ويستعمل الملك في تغليطه وتضليله. استعمله عندما كان رئيس حكومة، ويستعمله اليوم وهو في المعارضة.

كفى من الملك!

 

Shortened URL
https://safircom.com/h7t9
سفيركم

Recent Posts

مباريات الأسود في المونديال.. جامعة أرباب المقاهي والمطاعم تكشف عن ترتيبات “خاصة”

دعت الجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب كافة مهنيي القطاع إلى الانخراط الإيجابي في إنجاح…

5 دقائق ago

قبل كأس العالم 2026.. الطيب حمضي يكشف التحديات الصحية التي تنتظر أسود الأطلس

أكد الدكتور الطيب حمضي الطبيب والباحث في النظم والسياسات الصحية، أن المنافسة في نهائيات كأس…

36 دقيقة ago

الجالية المغربية ببروكسل في قلب العلاقات مع بلجيكا

أبرز لقاء سنوي نظمته جمعية “أصدقاء المغرب” في بروكسل، مساء الاثنين، موقع الجالية المغربية في…

ساعة واحدة ago

مع اقتراب لقجع من “التراكتور”.. لزرق: الأحزاب تبحث عن وجوه قادرة على تقوية صورتها الانتخابية

باتت الأوساط السياسية على صفيح ساخن مع تواتر معطيات قوية تؤكد اقتراب فوزي لقجع، الوزير…

ساعتين ago

شكون اللي “محبش”.. المغرب أم الجزائر؟

بقلم: ابتسام مشكور “لو عاد بي الزمن إلى الوراء ما كنت لأنساق.. لكنهم نجحوا في…

ساعتين ago

برعاية 3 وزارات.. “المدن الذكية والمجالات الترابية” تجمعان خبراء ومهندسين عرب وأفارقة بالرباط

احتضن قصر المؤتمرات أبي رقراق، بسلا، صباح اليوم الثلاثاء يونيو 2026، افتتاح القمة العربية الإفريقية…

3 ساعات ago

This website uses cookies.