يشكل مرض الشلل الرعاش، أو «باركنسون»، أحد أبرز الاضطرابات العصبية المزمنة وأكثرها انتشارا في العالم، إذ تُقدر أعداد المصابين به بما يزيد على عشرة ملايين شخص في مختلف القارات، مع توقعات بارتفاع هذا العدد في أفق سنة 2050 إلى 25 مليون شخص، وتكمن خطورته في تطوره التدريجي وتأثيره المباشر في الوظائف الحركية والعصبية، ما يجعله تحديا صحيا عالميا يستدعي وعيا مبكرا واستجابة طبية متخصصة.
كشفت صوفيا مجيد، أخصائية في الترويض الطبي من مدينة الرباط، في حوار أجرته مع موقع “سفيركم” الإلكتروني، عن تعريف مرض باركنسون وأسبابه، موضحة أبرز أعراضه الحركية وغير الحركية، والفئات العمرية المعرضة للإصابة به، كما توقفت عند خيارات العلاج المتاحة، مؤكدة على أهمية العلاج الطبيعي والدعم النفسي، موجهة جملة من النصائح للمرضى وأسرهم.
وصوفيا مجيد، حاصلة على تكوين متقدم في أحدث التقنيات المعتمدة في هذا مجال الترويض الطبي، كما أنها تتمتع بخبرة مهنية واسعة راكمتها داخل عدد من المراكز الاستشفائية في المغرب، حيث شاركت في التكفل بحالات سريرية معقدة ومتنوعة. وإلى جانب الممارسة السريرية، تهتم صوفيا بالبحث العلمي، إذ نشرت مجموعة من المقالات العلمية المتخصصة في مجالات العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل.
وهذا نص الحوار:
ما هو مرض الشلل الرعاش أو مرض باركنسون، وكيف يؤثر على الجسم؟
-«باركنسون» هو مرض شائع يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويتسبب في انخفاض تدريجي في مستوى الدوبامين، وهي مادة كيميائية (ناقل عصبي) تلعب دورا مهما في التحكم في الحركة. ويمتد التأثير إلى أجزاء من الدماغ مثل العقد القاعدية (Basal Ganglia) والمنطقة السوداء (Substantia Nigra)، حيث تموت الخلايا العصبية التي تُنتج هذه المادة.
وعندما ينخفض عدد هذه الخلايا، تتأثّر الإشارات العصبية التي تنظم الحركة، فتصبح أبطأ، والعضلات أكثر تيبّسا، ويتدهور التنسيق الحركي والتوازن. كما قد تظهر تأثيرات غير حركية أيضا، لأن المرض لا يقتصر على الحركة فقط، بل يؤثر على أنظمة عصبية أخرى مثل الجهاز العصبي الذاتي، والجهاز الهضمي، والنوم، والمزاج، وغيرها.
ما هي أعراضه الشائعة؟
-تنقسم الأعراض إلى نوعين رئيسيين: حركية وغير حركية، حيث تشمل الحركية كل من الرعشة(Tremor) التي غالبا ما تكون في اليد أثناء الراحة، وبطء الحركة (Bradykinesia) من خلال صعوبة بدء الحركة وبطء تنفيذها، وتيبّس العضلات (Rigidity)، أي عدم سلاسة حركة المفاصل والشعور بالخشونة، وكذا اضطرابات التوازن والمشي التي قد تظهر على شكل خطوات قصيرة وميل إلى السقوط.
أما الأعراض غير الحركية فتشمل اضطرابات النوم، بما في ذلك اضطراب حركة العين السريعة أثناء النوم (REM Sleep Behavior Disorder)، وضعف أو فقدان الشم (Hyposmia / Anosmia)، والإمساك المزمن، والتغيرات المزاجية كالاكتئاب والقلق والانسحاب الاجتماعي، إلى جانب التعب المزمن أو الشعور بالفتور والإرهاق، إضافة إلى اضطرابات في الجهاز العصبي الذاتي مثل انخفاض ضغط الدم عند الوقوف، ومشاكل في التعرّق والتبول، ومشاكل معرفية في مراحل متقدمة في بعض الحالات.
من هي الفئات العمرية الأكثر عرضة للإصابة بهذا المرض؟
-غالبا يبدأ المرض بعد سن الـ50 سنة، وتزداد المخاطر مع التقدم في العمر، لكنه قد يبدأ مبكرا في بعض الحالات، ويُسمى “باركنسون المبكر” (Early-Onset Parkinson’s)، حيث تظهر الأعراض قبل سن الخمسين، وقد تساهم العوامل الوراثية، والتاريخ العائلي، والتعرض للمواد سامة، أو الإصابات الدماغية، أو بعض الطفرات الجينية في ظهور المرض في سن أصغر.
ما هي خيارات العلاج المتوفرة حاليا لمرضى باركنسون؟
-علاج باركنسون متعدد المحاور، ويشمل العلاج الدوائي، الذي نميز فيه بين ليفودوبا (Levodopa)، وهي أكثر الأدوية فعالية في التحكم في الأعراض الحركية، ومعدلات ومحّزات الدوبامين، ومثبطات إنزيمات مثل MAO-B أو COMT، حسب الحالة.
بينما يتم العلاج الجراحي، عبر التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation – DBS) في بعض الحالات المناسبة، خاصة إذا لم تستجب الأعراض جيدا للأدوية أو سبّبت آثارا جانبية كبيرة.
كما يشمل العلاج الداعم والتكاملي مع مختلف التخصصات، كل من العلاج الطبيعي لتحسين الحركة، التوازن، والمرونة، والعلاج المهني للمساعدة في أداء الأنشطة اليومية، ثم علاج النطق والبلع عند وجود مشاكل في الكلام أو البلع، والدعم النفسي: لمعالجة الاكتئاب أو القلق.
أما الخيار العلاجي الرابع، فيتم عبر إحداث تغييرات في نمط الحياة، من خلال التغذية الصحية، والنشاط البدني المنتظم، والنوم الكافي، وتجنب المواد السامة، والإقلاع عن التدخين إن وُجد.
هل يمكن لمرضى باركنسون ممارسة تمارين رياضية بسيطة في المنزل دون الحاجة إلى إشراف طبي؟ وما هي هذه التمارين؟
-نعم، في معظم الحالات المبكرة والمتوسطة يمكن ممارسة تمارين بسيطة في المنزل، بشرط استشارة الطبيب وأخصائي العلاج الطبيعي أولا لتقييم الحالة ومعرفة حدود الأمان.
وتشمل هذه التمارين:
• تمارين التوازن: مثل الوقوف على قدم واحدة، أو المشي على خط مستقيم.
• تمارين القوة البسيطة: الجلوس والوقوف من الكرسي دون استخدام اليدين، دفع الحائط (Push-ups خفيفة باستخدام الحائط)، أو تمارين المقاومة باستخدام حبال مطاطية.
• تمارين المرونة: شد العضلات، خاصة في الساقين والذراعين، وتمارين للرقبة، الكتفين، والظهر.
• تمارين الحركة المتكررة: مثل فتح وغلق اليدين، حركات المعصم، تمارين الأصابع، المشي، وتحريك مفاصل الكاحل والركبة.
• تمارين التنفس والصوت والنطق: إذا وُجد تأثر في هذه الوظائف.
ومن المهم الانتباه إلى أنه يجب مراقبة الأعراض أثناء التمرين، وكذا التوقف فورا في حال الشعور بألم، دوخة، أو عدم توازن، واستشارة الطبيب.
ما هي النصائح التي تريدين تقديمها لمرضى باركنسون وأسرهم للتعامل مع المرض بشكل أفضل؟
-يتطلب التعايش مع المرض مراعاة مختلف الجوانب الصحية والنفسية والحياتية، ومن أبرز ما أوصى به في هذا السياق: فهم طبيعة المرض وأعراضه وتطوره وخيارات العلاج المتاحة، والحفاظ على تواصل مفتوح مع الفريق الطبي من أخصائيي الأعصاب والعلاج الطبيعي والطبيب العام وغيرهم، إضافة إلى الالتزام بالعلاج من خلال تناول الأدوية في مواعيدها والمواظبة على التمارين اليومية حتى لو لفترات قصيرة، إلى جانب تنظيم البيئة المنزلية عبر إزالة العوائق وتوفير مقابض دعم في الحمام واستخدام أرضيات غير زلقة مع إضاءة جيدة، ناهيك عن الدعم النفسي لمواجهة الاكتئاب والقلق عبر جلسات نفسية أو دعم أسري، ومراقبة الأعراض غير الحركية مثل اضطرابات النوم والإمساك والتغيرات المزاج أو الطاقة لأنها قد تساعد في فهم تطور الحالة.
هل يمكن التنبؤ بالإصابة بمرض باركنسون بناءً على أعراض معينة تظهر قبل سنوات من التشخيص؟
-نعم، تُظهر الدراسات الحديثة وجود ما يُعرف بالمرحلة المُقدّمة (Prodromal Phase)، والتي تسبق ظهور الأعراض الحركية، وقد تشمل أعراضا غير حركية مثل: ضعف أو فقدان الشم (Olfactory Dysfunction)، واضطرابات النوم، خاصة اضطراب سلوك حركة العين السريعة أثناء النوم (REM Sleep Behavior Disorder)، والإمساك المزمن وتأخر في وظائف الجهاز الهضمي، إضافة إلى التغيرات المزاجية مثل الاكتئاب، والقلق، والشعور بالتعب، أو انخفاض في القدرات المعرفية في بعض الحالات المبكرة جدا.
لكن من المهم التنبيه إلى أن وجود أحد الأعراض لا يعني بالضرورة الإصابة بباركنسون، لأنها قد ترتبط بأمراض أو حالات أخرى، كما أن التنبؤ الدقيق يتطلب مزيجا من الأعراض، والفحوصات السريرية، والعلامات البيولوجية (Biomarkers)، ودراسات التصوير، والتاريخ العائلي، وما تزال الأبحاث مستمرة في هذا المجال.
تناقش الأكاديمية الملكية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات بالرباط تداعيات التغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة. يأتي…
جرى اليوم الخميس افتتاح القنصلية الأمريكية العامة الجديدة بمدينة الدار البيضاء. في حفل حضرته شخصيات…
لم يعد الحوار بين الأديان مجرد تمرين فكري، بل تحول إلى "ضرورة وظيفية" تفرضها التحولات…
قال الفنان المغربي محمد الجم، والرئيس المؤسس لـ"جمعية أصدقاء محمد الجم للمسرح"، إنه لم يستغل…
أعلن الدكتور أحمد فطري، الأمين العام لحزب الوحدة والديمقراطية، استقالته النهائية من مهامه ومن عضويته…
خطوة جديدة تستهدف إدماج الوسط الجامعي في جهود تخليق الحياة العامة. حيث تقرر إدراج وحدة…
This website uses cookies.