أكد جلال فائز، المستشار القانوني المتخصص في المنازعات بالقسم القانوني لدى بنك المغرب، أن التعديلات التشريعية الجديدة المتعلقة بجرائم الشيك تمثل مقاربة متوازنة تجمع بين الحفاظ على التجريم باعتباره ضمانة لثقة المتعاملين في وسيلة الأداء، وبين إرساء منهج احترازي يفضل التدخل القبلي والوقاية على العقاب، بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار الاقتصادي وسلامة النظام البنكي.
وأوضح فائز، خلال مداخلته في المائدة المستديرة التي نظمتها محكمة الاستئناف بالرباط حول جرائم الشيك في ضوء التعديلات التشريعية الجديدة، أن هذا الإصلاح التشريعي “تعديل حكيم” يوازن بين الشق الاحترازي والإداري والمالي الذي يشرف عليه بنك المغرب، وبين الشق القضائي الزجري الذي تتولاه النيابة العامة والقضاء الزجري، معربا عن أمله في أن تكون لهذه التعديلات آثار إيجابية على الاقتصاد الوطني والنظام البنكي ووسائل الأداء، فضلا عن انعكاسها الإيجابي على الأفراد.
وأشار المتحدث إلى أن دور بنك المغرب في هذا المجال يستند إلى إطار قانوني وتنظيمي واضح، في مقدمته القانون رقم 40-19 المتعلق بالنظام الأساسي لبنك المغرب الصادر في 21 يوليوز 2019 كما تم تعديله، مبرزا أن المادة التاسعة من هذا القانون تخول للبنك المركزي مهمة التحقق من سلامة وسائل الأداء ومدى ملاءمة المعايير المطبقة عليها، مع منحه صلاحية طلب كل الوثائق والمعلومات الضرورية لإنجاز هذه المهام الرقابية.
وأكد فائز أن هذه المهمة الرقابية تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي يلعبه الشيك في دعم حركة الاقتصاد وتعزيز الشفافية في المعاملات التجارية، فضلاً عن مساهمته في محاربة غسل الأموال من خلال ضمان قابلية التتبع في العمليات المالية، على عكس التعاملات النقدية المباشرة.
وفي السياق ذاته، تطرق المتحدث إلى الإطار القانوني البنكي المنظم لهذا المجال، وخاصة القانون رقم 103-12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، مبرزا أن المادة 160 منه جاءت بتفصيل غير مسبوق بخصوص ما يعرف بالمصالح المركزية للمعلومات التي ينشئها أو يدبرها بنك المغرب.
وأوضح أن هذه المادة تنص على مجموعة من المركزيات المعلوماتية، من بينها مصلحة مركزة عوارض أداء الشيكات، ومصلحة مركزة الشيكات غير الصحيحة، ومصلحة مركزة الأوراق التجارية غير المؤداة مثل الكمبيالات، إضافة إلى مصلحة مركزة إشعارات الاقتطاع البنكي غير المؤداة، ومصلحة مركزة مخاطر الائتمان المعروفة بـ“Credit Bureau”، فضلا عن مصلحة مركزة الحسابات البنكية التي تجمع أرقام الحسابات البنكية وتعريف أصحابها دون تضمين الأرصدة.
وأضاف أن هذه المركزيات تشكل البنية التحتية المعلوماتية الأساسية التي يعتمد عليها بنك المغرب والقطاع البنكي في تتبع مخاطر الشيك والأوراق التجارية والائتمان بصفة عامة، بما يضمن تبادل المعلومات بين المؤسسات البنكية وتعزيز سلامة المعاملات المالية.
وبخصوص مصلحة مركزة عوارض أداء الشيكات، أوضح فائز أنها تتضمن العوارض المصرح بها من طرف المؤسسات البنكية الماسكة للحسابات، إضافة إلى الأوامر بعدم إصدار الشيكات وقرارات المنع القضائي من إصدارها، فضلا عن المخالفات المرتكبة في خرق هذه الأوامر أو الموانع القضائية.
وأشار إلى أن هذه المصلحة تضطلع بدور محوري في تبادل المعلومات بين المؤسسات البنكية، حيث تتولى تبليغ البيانات المتعلقة بعوارض الأداء والأوامر والمنع القضائي إلى الأبناك، كما تقوم بإبلاغ المعطيات المرتبطة بالمخالفات إلى وكيل الملك المختص، بما يعزز التنسيق بين الجانب البنكي والجانب القضائي.
وأكد المتحدث أن هذه المصلحة لا تحتفظ بالعوارض التي تمت تسويتها أو إلغاؤها بمجرد توصلها بتصريح من المؤسسة البنكية المعنية، وهو توجه ينسجم مع فلسفة الإصلاح الجديدة القائمة على تشجيع التسوية والصلح، وتفادي استمرار الآثار السلبية للعوارض بعد معالجتها.
وشدد فائز على أن استمرار عوارض الشيك دون تسوية قد ينعكس سلبا على الدورة الاقتصادية، إذ قد يحرم الاقتصاد الوطني من موارد مالية وفرص استثمار وتطوير، خاصة في الحالات التي تكون فيها مؤسسات اقتصادية مسيرة من طرف أشخاص ممنوعين من إصدار الشيكات، ما يدفعها إلى الاعتماد على التعامل النقدي بدل وسائل الأداء البنكية المنظمة.

