الرئيسي

تعليب القرار العمومي بين منطق الإدارة ومنطق السياسة

بقلم: حسن حمورو

في الدولة الحديثة الديمقراطية، تتكامل السياسة والإدارة، ويتوزع الاختصاص بين من يضع الرؤية ويجسد الإرادة الشعبية، ومن يسهر على التنفيذ التقني والقانوني والمؤسساتي.

غير أن الاختلال يبدأ حين يُمكَّن الإداري التقني، من اتخاذ قرارات ذات أبعاد سياسية عميقة، تمس هوية المجتمع وقيمه وتوازناته، دون سند سياسي واضح، أو شرعية تمثيلية مُقنِعة.

فقرارات الشأن العام تحتاج إلى من يفهم المجتمع، وحركيته ودينامياته وحساسياته ورمزيته، لأن القرار العمومي ليس مجرد إيجاد حلول تقنية أو قانونية لمشكلة مطروحة، بل إنه فعل سياسي بامتياز، لأنه يتوجه إلى مجتمع حيّ ومتفاعل، تجمع مكوناته قواسم مشتركة لا تلغيها الاختلافات مهما بلغ حجمها.

وأي قرار لا يسبقه استيعاب للفئات المعنية به، وامتداداتها الاجتماعية والثقافية، يكون عرضة لسوء الفهم أو الرفض، وربما يتحول إلى شرارة فتنة سياسية.

في المغرب، أبانت أمثلة لقرارات عمومية عن خطورة ما يمكن تسميته منزلقا تتسبب فيه هيمنة الإدارة على السياسة، ولعل القرار المتعلق بسيارات نقل الأموات أقرب هذه الأمثلة، حيث فجّر نقاشا وسجالا مجتمعيا واسعا، واعتبره كثيرون مساسا برمزية دينية وهوية جماعية، وارتفعت حدته بسبب صدوره في شهر رمضان، حيث تتضاعف الحساسية الرمزية.

وقرار الساعة الإضافية كذلك من هذه الأمثلة، إذ ظل لسنوات موضوع رفض وتوجس، ليس فقط بسبب آثاره الصحية والنفسية، بل لأنه اتُّخذ بمنطق إداري فوقي، بعيدا عن الإقناع والتدرّج بمنطق سياسي.

وفي السياق نفسه، ما يزال قرار خطة تسديد التبليغ محلّ نقاش واعتراض، لأنها مست قطاعات واسعة، دون أن يواكبها شرح سياسي كاف يبدد المخاوف والهواجس.

وفي الملفات الاجتماعية الكبرى، مثل تنزيل ورش الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، وكذلك الزيادات في الأجور، وما يسوق على أنه إصلاح في التعليم، لم يتحقق الأثر المعنوي المنتظر منها جميعها، ولم يفرح المجتمع بها كما كان متوقعا، لأن الإحساس العام، لم يكن إحساس مشاركة في القرار، بل إحساس تلقي إجراء إداري.

وهنا يبرز أن الفرق بين القرار السياسي والقرار التقني الإداري، ليس في المضمون فقط، بل في طريقة البناء والتسويق والإقناع.

إن أحد أسباب التباعد الذي عاشته البلاد بين حكومة “8 شتنبر 2021” والمجتمع، هو أن صورة الحكومة لا تبدو في نظر الأغلبية حكومة سياسيين بامتياز، وأن تمثيل أحزابها للمجتمع ليس واضحا ولا مقنعا بما يكفي، لذلك واجهت رفضا عارما، وتسببت في تراجع الثقة.

بكلمة، حين تضعف الوساطة الحزبية والسياسية، ويبهت دور المنتخبين، لسبب أو لآخر، ذاتي أو موضوعي، تتقدم الإدارة لتملأ الفراغ، لكن الإدارة، مهما بلغت كفاءتها، لا تعوّض الحس السياسي ولا الشرعية التمثيلية، وبالتالي لا يمكن التعويل على الإدارة لصناعة الاستقرار السياسي، رغم ما يمكن أن يكون لها من أدوار في صناعة المبادرة التنموية، أو في ضبط المواطنين، وليس هناك حل لهذا التوتر المربك، سوى الديمقراطية الحقيقية، التي تسمح بأن يلج المؤسسات المنتخبة، ومنها الحكومة، من يمثلون المجتمع حقيقة، ويختارهم بكل حرية، لكي تأخذ القرارات العمومية المسار الصحيح، بناءا وإقناعا.

Shortened URL
https://safircom.com/7s7f
سفيركم

Recent Posts

المغرب يدعم الأمن الغذائي في غانا بـ 2000 طن من الأسمدة لتعزيز الإنتاج المحلي

جدد المغرب التزامه بدعم الاستقرار الغذائي في القارة الإفريقية، عبر تقديم شحنة جديدة من الأسمدة…

24 دقيقة ago

المغرب يعزز دفاعاته الجوية والبرية بدمج نظام Link-16 الأمريكي

حققت القوات المسلحة الملكية المغربية والجيش الأمريكي تقدماً استراتيجياً في مجال التنسيق العسكري، عبر النجاح…

54 دقيقة ago

قبيل حسم ملف “المينورسو”.. بعثة ديبلوماسية فرنسية تزور مدينة العيون

حل وفد رفيع المستوى من وزارة الخارجية الفرنسية، أمس الثلاثاء، بمدينة العيون في الأقاليم الجنوبية…

ساعة واحدة ago

ارتفاع أسعار المحروقات.. مجلس المنافسة يُبرّئ الشركات من أي “تجاوزات قانونية”

أفاد مجلس المنافسة في أحدث مذكراته حول تتبع سوق المحروقات، بعدم رصد أي سلوكيات تمنع…

ساعتين ago

وزير التربية الوطنية يتابع السحيمي قضائيا بسبب مدارس الريادة

تقدم وزير التعليم الأولي، والتربية الوطنية والرياضة، سعد برادة، بدعوى قضائية، في حق الفاعل التربوي،…

ساعتين ago

مساعدات مغاربة الدنمارك تصل للأسر المتضررة من فيضانات القصر الكبير

جسدت الجالية المغربية المقيمة بالدنمارك قيم التضامن الوطني من خلال إطلاق مبادرة إنسانية واسعة. وفي…

ساعتين ago

This website uses cookies.