الرئيسي

جيل Z.. ثلاثة دروس لمن يهمه الأمر

بقلم: عبد الحق غريب

واهم من يعتقد أن جيل Z ليس إلا جيل “تيك توك” فقط..

بل هو جيل الوعي والمراقبة، جيل الجرأة في قول الحقيقة، والقدرة على التعبير بشكل سلمي، حضاري، ومسؤول، لكنه قوي في مواقفه، ثابت في مطالبه.

إنه جيل جديد يكتب فصلا جديدا من الوعي السياسي والاجتماعي.. يراقب، يحتج، ويعيد طرح الأسئلة الحقيقية حول معنى المسؤولية والمحاسبة.

كيف ذلك؟
كشفت احتجاجات جيل Z الأخيرة عن وعي جديد يتشكل في العمق المجتمعي، خاصة وسط الشباب، ووضع ثلاث دروس أمام الرأي العام والفاعلين السياسيين، لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها.

الدرس الأول :
أن الشباب المغربي حي، يقظ، وفاعل.. لم يعد متفرجا على ما يجري من حوله، بل بات يتحرك وينتفض حين يشعر أن القرارات الحكومية تمس مصالحه وحقوقه.
جيل Z أظهر أنه قادر على أن يلعب الدور الذي تخلت عنه بعض المؤسسات التمثيلية، كالبرلمان والأحزاب والنقابات، في مراقبة الحكومة ومساءلتها والاحتجاج على سياساتها اللاشعبية، خاصة حين يتعلق الأمر بالقضايا الاجتماعية الحساسة، كالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية. والأهم في الدرس الأول، هو أنه بفضل وعي الشباب وصمودهم تحول الشارع، في لحظات معينة، إلى برلمان شعبي يعبر بصوت مرتفع عما عجز كثيرون عن الحديث عنه.

الدرس الثاني :
أن الثقة في استقلالية القرار الحكومي باتت شبه منعدمة لدى فئة واسعة من المواطنين، خاصة الشباب. فالقناعة السائدة اليوم أن الحكومة لا تملك سلطة القرار الفعلي، وأنها لا تتحرك إلا بإشارات وتعليمات من فوق، وهو ما يعمّق الفجوة بين الخطاب الدستوري، الذي يشدد على ربط المسؤولية بالمحاسبة والصلاحيات الممنوحة لها بموجب الدستور 2011، وبين الواقع العملي الذي يكشف عن محدودية الإرادة السياسية في اتخاذ قرارات جريئة ومستقلة.

الدرس الثالث :
أن الاحتجاج السلمي في المغرب ليس خطرا ولا تهديدا، بل تعبير راق عن الوعي والمسؤولية. فالتجارب الميدانية أثبتت أن الوقفات والمسيرات الشعبية تظل سلمية ومنضبطة طالما لم تُقابل بالمنع أو القمع، وطالما لم يندس فيها مشاغبون بإيعاز من جهات ما.
عندما تعطى للشباب الحرية ليعبّر عن رأيه باحترام ومسؤولية، يتحول الشارع إلى مدرسة في الديمقراطية، لا إلى فضاء للفوضى.
أما حين يُواجه الاحتجاج بالقوة، أو بممارسات بائدة، فإن التوتر والفوضى والشغب تصبح نتيجة طبيعية.

جيل Z اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطالب بإصلاحات حقيقية ومطالب مشروعة، وبإرادة سياسية صادقة تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية وفي صلب اهتمامات الدولة. هؤلاء الشباب يطالبون بأن تُستعاد الثقة بين الدولة والمجتمع، وأن يُعاد الاعتبار للمؤسسات عبر جعلها فعلا صوتا للشعب، لا صدى للقرارات الفوقية.

إن مستقبل الإصلاح في المغرب لن يُبنى على الشعارات، بل على شجاعة الاعتراف بالخلل، والإرادة في التغيير، والانصات إلى نبض الشارع.

فجيل Z لا يُريد كسر الاستقرار ولا هدم مؤسسات الدولة، بل يسعى إلى ترميم الثقة وبناء وطن أكثر عدلا وإنصافا ويتسع لجميع أبناءه وبناته.
هؤلاء الشباب لا يُنادون بالفوضى، بل بالمحاسبة والعدالة، في مواجهة ما يرونه تفشيا للفساد واستمرارا لسياسة اللاعقاب التي شجعت عددا من المفسدين على التمادي في فسادهم دون خوف من المحاسبة.

وربما الرسالة الأعمق من كل ذلك :
إذا لم تُصغِ الدولة لصوت الشباب اليوم، قد تجد نفسها مجبرة على سماعه غدا، ولكن بشروط قد لا يتحكم فيها أحد.

Shortened URL
https://safircom.com/f9q2
سفيركم

Recent Posts

انهيار عمارتين بفاس: الكشف عن خروقات خطيرة و21 متهماً أمام قاضي التحقيق

كشف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس في بلاغ له اليوم، عن معطيات صادمة…

ساعتين ago

اتفاقيتا المغرب ومنظمة الإيكاو.. خطة استراتيجية لتعزيز أمن وتكوين الطيران المدني

احتضنت مدينة مراكش، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، مراسيم توقيع اتفاقيتين هامتين بين وزارة النقل…

ساعتين ago

سحر “الحضرة الشفشاونية” يغزو روما في احتفالية يوبيل العلاقات مع الفاتيكان

احتضن مسرح "توردينونا" التاريخي في العاصمة الإيطالية روما، أمس الثلاثاء، أمسية فنية وروحية استثنائية أحيتها…

3 ساعات ago

اشتراط الماستر من أجل اجتياز امتحان المحاماة يضع نواب الأمة تحت الضغط

يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…

4 ساعات ago

كفاءات مغربية لمواجهة تحديات إفريقيا.. “منتدى المعادن” بالرباط يفتح آفاق التشغيل والسيادة الطاقية

احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…

4 ساعات ago

وهبي يستشهد بالقرآن في معركة المحاماة: سمعت كلاما وصل حد الإهانة وسأحمي المهنة لا الأشخاص

في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…

5 ساعات ago

This website uses cookies.