بقلم: محمد حفيظ
كيفما كان موقف من تفاعلوا مع خطاب الملك في افتتاح الدورة الأولى من هذه السنة التشريعية، فإنهم جميعا لم يستبعدوا في تعليقاتهم حركة شباب جيل Z، سواء ذكروها أم لم يذكروها. فجميع التعليقات على هذا الخطاب، تحليلا أو تقييما، تثمينا أو نقدا، كانت في ضوء السياق الحالي الذي يعيشه المغرب منذ أسبوعين.
وفي الواقع، لم يكن ممكنا لأية قراءة لهذا الخطاب الملكي أن تتم خارج هذا السياق، بل إن إعداد الخطاب نفسه لا يمكن أن يكون قد تم خارج هذا السياق أو دون أن يستحضره، حتى وإن بدا أنه لم يخرج عن طبيعة الخطابات التي تُفتتح بها الدورات الأولى من كل سنة تشريعية.
لقد تابعت جميع الخطابات التي ألقاها الملك محمد السادس في افتتاح السنوات التشريعية السابقة، ولم يسبق لأي خطاب بهذه المناسبة أن حظي بهذا الاهتمام، سواء من حيث الانتظار، أو من حيث المتابعة، أو من حيث التعليق، مثلما حظي به خطاب هذه السنة.
وهذا الاهتمام لم يكن ليتحقق لولا شباب جيل Z الذين وَجَّهوا أنظار المواطنين إلى ما سيقوله الملك، ودفعوهم إلى ترقُّب تفاعله مع احتجاجاتهم. ومن هنا، استمد الخطاب الملكي، الذي افتتح السنةَ الأخيرة من الولاية التشريعية الحالية، هذه الأهمية التي لم يحظ بها مثله من الخطابات السابقة الموجهة إلى البرلمان.
إن الأهمية التي أعطيت لخطاب افتتاح هذه السنة التشريعية اكتسبها من السياق الذي يُلقى فيه، واكتسبها حتى قبل إلقائه. وقد كان لهذا أثر على المواقف المعلنة منه. فالسياق هو الذي تحكم في المواقف المعلنة من الخطاب أكثر من مضمونه نفسه.
اطلعتُ على بعض التعليقات التي صدرت مباشرة بعد الخطاب. وهي جميعها، بغض النظر عن الموقف الذي اتخذته من الخطاب، وبغض النظر عن موقفها من احتجاجات جيل Z، كانت تعلق على خطاب الملك في ضوء السياق الذي صنعه شباب جيل Z، قبل أسبوعين فقط، وكانت تتوسل إليه في تحديد المعنى الذي تريد أن تستخرجه من متن الخطاب.
فمن يبحث عن رد “إيجابي” يجده في عبارات وردت في الخطاب، من قبيل “النهوض بقطاعات التعليم والصحة”، و”توفير فرص الشغل للشباب”، و”تحسين ظروف عيش المواطنين”، و”العدالة الاجتماعية”، و”حقوق وحريات المواطنين”، و”الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية”، … إلخ. وحتى من يريد أن يجد مطلب “محاربة الفساد” الذي أطر مطالب جيل Z، يحيل إلى الآية التي ختم بها الملك الخطاب (ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره).
ومن يبحث عن رد “سلبي”، يجده في عبارات من قبيل “وهي مناسبة للتعبير لكم [البرلمانيين] عن تقديرنا للعمل الذي تقومون به”، و”لأنها السنة الأخيرة بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، ندعوكم إلى تكريسها للعمل بروح المسؤولية، لاستكمال المخططات التشريعية”، و”لا ينبغي أن يكون هناك تناقض أو تنافس بين المشاريع الوطنية الكبرى والبرامج الاجتماعية”، … إلخ.
وحتى من يرى أن الملك تجاهل شباب جيل Z، ولم يُولِ أية أهمية تُذْكر لاحتجاجاتهم التي شغلت السلطات العمومية بمختلف أجهزتها، طيلة أسبوعين، وتصدرت الأحداث التي غَطَّتها وسائل الإعلام وتابعتها يوما بيوم، ولم تَخْلُ من أحداث مؤسفة وصلت حد سقوط قتلى، سيستدل على ذلك بأن الملك لم يشر إلى تلك الاحتجاجات، لا من قريب ولا من بعيد.
وفي جميع الأحوال، وحتى إن لم يتضمن خطاب الملك أية إشارة إلى شباب جيل Z أو إلى احتجاجاته، فإن جيل Z كان حاضرا. لقد كان حاضرا قبل الخطاب وبعده، وكان حاضرا خلال إعداد الخطاب وإلقائه، وكان حاضرا في تلقي الخطاب وقراءته، وكان حاضرا لدى من أفرحهم الخطاب ولدى من أغضبهم.
وكان جيل Z حاضرا بقوة لدى من وضعوا أنفسهم، منذ البداية، في خصومة مع حركته الاحتجاجية المطلبية، وانتسبوا فجأة إلى “تيار المدافعين الجدد” عن الفصل بين السلط، والانتصار لدولة المؤسسات، والملكية البرلمانية، التي تمنع الملك من التدخل في الحياة السياسة وتلزمه بأن يمارس سلطاته باسم الدستور. كانوا ينافحون عن هذا النموذج من الدولة الحديثة الذي يجمع بين الملكية والديمقراطية، فقط ليردوا على شباب خرجوا للاحتجاج على أوضاع اجتماعية وعلى استشراء الفساد، وتوجهوا بمطالب إلى ملك في مملكة لا يزال فيها الملك يسود ويحكم.
إن هذا الحضور القوي لجيل Z يُعدّ بحد ذاته إنجازًا يُحسب لهؤلاء الشباب، ويستحق أن يُدرج ضمن نتائج احتجاجاتهم. وفي جميع الأحوال، فإن ما قبل 27 شتنبر 2025 لن يكون كما بعده، بغض النظر عما جرى منذ انطلاق الاحتجاجات إلى خطاب 10 أكتوبر 2025.
لا أحد يستطيع أن يدعي أن رسالة الشباب قد ضلت طريقها، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن الأصوات العالية لشباب جيل Z والشعارات التي صدحت بها حناجره لم تبلغ هدفها، بغض النظر عن طبيعة التفاعل، وبغض النظر عن الأجوبة التي ستُقَدمها الدولة. فالواقع لا يمكن إنكاره، كما لا يمكن التغاضي عن الوقائع التي تنجم عنه.
لقد خرج شباب جيل Z إلى الشارع ليُذَكِّرونا بأن المستقبل دائمًا أقرب مما نتصور، مهما بدا بعيدا، وليُثبتوا أنه لا يُنتظر، بل يُصنع. ويكفيهم أنهم ذَكَّرُوا من يحتاج إلى التذكير بالأمل في المستقبل.
كشف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس في بلاغ له اليوم، عن معطيات صادمة…
احتضنت مدينة مراكش، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، مراسيم توقيع اتفاقيتين هامتين بين وزارة النقل…
احتضن مسرح "توردينونا" التاريخي في العاصمة الإيطالية روما، أمس الثلاثاء، أمسية فنية وروحية استثنائية أحيتها…
يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…
احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…
في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…
This website uses cookies.