بقلم: ابتسام مشكور
من منّا لا يعيش يوميا في بيته نقاشا مستمرا مع أبنائه من جيل “Z”؟ من منّا، نحن الذين تربّينا على الخضوع للعرف والمجتمع والسلطة، لم يصطدم برفضهم واحتجاجهم داخل الأسرة، وبإصرارهم على أن تكون لهم كلمة في القرارات التي تخص حياتهم؟ حتى آراؤهم لا تُغلَّف بالمجاملات كما اعتدنا نحن الجيل غير المحسوب على أي حرف لاتيني أو عربي.. جيل “Z” يقول ما يفكر فيه بلغة مباشرة، حادة في نظرنا، لكنها بالنسبة إليهم أمر عادي وعفوي وضروري، فهي تعبير عن جيل لم يتربَّ على الخوف من الكلمة، ولا من إبداء الرأي، ولا حتى من سلطة العائلة أو المدرسة أو الدولة.
التغيير بدأ من هنا: من قلب البيوت، من نقاشات المائدة التي لم تعد تمرّ في صمت، ومن رفض هذا الجيل للوصاية سواء داخل الأسرة أو في المدرسة أو في الشارع. أبناؤنا، وأبناء من رأيناهم أمس في مدن مغربية عدة يُكدسون في سيارات الشرطة كأنهم بضاعة لا لزوم لها خلال تظاهرات جيل “Z”، لا يشبهوننا نحن أجيال “اسمع، واسكت، واحشم”. هذه حقيقة علينا أن نواجهها بذكاء وانفتاح، بدل الإنكار والمكابرة والتعنت.
هذا الجيل لا يعترف بسلطة لا تبرر وجودها بالحوار والإقناع والإنجاز. هذا جيل لا يُساس بالخوف الذي يُراد له أن يُسكتهم أو يخنق أصواتهم، كما لو أن الصمت قادر على إيقاف الزمن أو تأجيل الأسئلة التي لم يعد ممكنا الهروب منها. أما نحن – الذين قبلنا بالأمر الواقع – فماذا كانت حصيلتنا؟ أجيال مثقلة، معطوبة ومقهورة بالخوف، ما زال أثره يسكنها منذ الاستقلال، وأصواتها ترتجف أمام السلطة، حتى وإن كانت مخطئة.
اللحظة ليست لحظة قمع، بل لحظة شجاعة سياسية حقيقية، ورزانة في التعامل مع الأحداث بما تستحقه من جدية. لا أحد يطالب الدولة بالتنازل عن هيبتها، بل بأن تدرك أن احتواء أبنائها أضمن من صدهم. فالبدائل أمامنا واضحة ومقلقة: من يملك المال يرسل أبناءه إلى الجامعات الكبرى في الخارج، ومن لا يملك شيئا يغامر بحياتهم في قوارب الموت. وبين هؤلاء وأولئك، هناك شباب يريد أن يبقى في وطنه، أن يدرس ويبني ويعيش بكرامة. لا تجعلوا ذاكرة هذا الجيل مرتبطة بصورة “السطافيطات والسحل في الشوارع” والهراوات، بدل أن ترتبط بمؤسسات تحتضن طاقاته. الوطن لا يصان بالقوة، لأن الرهان على الخوف خاسر.
تجارب الدول التي تقدمت عبر التاريخ أثبتت أن القمع لا يطفئ الغضب. ففي ماي 1968، خرج طلبة فرنسا يطالبون بإصلاح التعليم وتوسيع الحريات. ردت الدولة بالقوة والاعتقالات، فامتدت الشرارة إلى أكثر من عشرة ملايين عامل وشلت البلاد. عندها أدرك الرئيس شارل دوغول أن المواطنين تشكل لهم وعي جديد، فاختار طريق السياسة: حل البرلمان، دعا إلى انتخابات جديدة، وفتح باب الحوار. النتيجة لم تكن انهيار الدولة، بل العكس: خرجت فرنسا من الأزمة أقوى وأكثر تماسكا.
واليوم، شباب 27 شتنبر 2025 لا يختلفون في جوهر مطالبهم عن أولئك الطلاب الفرنسيين: تعليم يليق بعصرهم، وخدمة صحية تحفظ كرامتهم، وفرص حياة تمنحهم الأمل. إنهم لا يطالبون بإسقاط الدولة، بل بإصلاحها. تجاهل أصواتهم لن يوقفهم، بل سيعمق الأزمة. وحتى إن خافوا أو تراجعوا مؤقتا، فإن ما بعد 27 شتنبر لن يشبه ما قبله. لقد تغير كل شيء، وما عاد الخوف يربط الناس بأوطانهم، ومن يصر على حكم وعي جديد بأدوات قديمة اليوم، فليتحمل مسؤوليته التاريخية والسياسية غدا.
يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…
احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…
في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…
عاد الجدل مجددا على منصات التواصل الاجتماعي، حول أسباب زلزال الحوز. بعدما تداول بعض النشطاء…
حذر محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، من دخول المغرب مرحلة ديموغرافية حرجة تتسم بتراجع…
بقلم: د. سعيد بيهي توالت محاولات التهوين - المؤسسة على الاِشْتِبَاهِ - مِن شأن "الوصية…
This website uses cookies.