أعمدة رأي

حديث الثلاثاء: الخلافة الأمازيغية..

بقلم: عمر لبشيريت

ليست المشكلة في أن يعتز الناس بهوياتهم، ولا في أن يستعيدوا ذاكرتهم الثقافية أو التاريخية. فالهويات، في نهاية المطاف، ليست جريمة، بل إحدى طرق الإنسان لفهم ذاته وموقعه في العالم. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الهوية إلى أيديولوجيا مغلقة، تدّعي امتلاك الحقيقة والنقاء، وتبني خطابها على نفي الآخرين، أو على إعادة كتابة التاريخ وفق أهواء الحاضر. عندها، تصبح الدعوة إلى “هوية نقية” موقفاً مضاداً للتاريخ وللعلم معاً.

في السنوات الأخيرة، برز خطاب لدى بعض التيارات الأمازيغية المتطرفة، يدعو إلى استعادة “تامزغا” من “احتلال عربي” مزعوم، ويقدّم المغرب باعتباره أرضاً أمازيغية خالصة، لا مكان فيها لأي انتماء عربي “دخيل وآت من المشرق”، ولا لأي تراكم أو إسهام حضاري إسلامي-عربي. هذا الخطاب، لا يكتفي بإعادة تأويل التاريخ، بل يتجاوز ذلك إلى نوع من القطيعة الرمزية مع مكونات أساسية من الهوية المغربية، وكأنها طارئة أو دخيلة بالكامل. هذا الخطاب، انتقل مؤخرا إلى استحداث نوع من “الأركيولوجية العرقية”، التي تتعسف على العلوم وتأول الآثار لاستخراج صحف و”صحيح أركيولوجي” نقي. تأويل إيديولوجي لعلم الآثار.

المفارقة أن هذا الطرح يقوم، في جوهره، على فكرة نقاء العرق، وهي فكرة دحضها التاريخ والعلوم معاً. فالأمم لا تُبنى على الصفاء، بل على التراكم؛ لا تقوم على العزل، بل على الاختلاط. والمغرب، تحديداً، يُعد نموذجاً صارخاً لهذا التداخل: تعاقبت عليه شعوب، وتقاطعت فيه حضارات، وتزاوجت فيه الأعراق، حتى صار من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الحديث عن “أصل خالص” أو “هوية نقية” أو حتى “دين نقي”.

إن نظرة سريعة إلى تاريخ المغرب تكشف أن ما يُقدَّم اليوم بوصفه “نقاءً” لم يكن يوماً سوى وهم أيديولوجي. فمن إنسان “إيغود” وإنسان “كاريان طوما” ثم الأمازيغ، إلى الرومان والفينيقيين والوندال والعرب، مروراً بالأندلسيين والأفارقة وغيرهم، تشكّلت فسيفساء معقدة، أنتجت هذا الكيان المتعدد الذي نعرفه اليوم. لذلك، فإن اختزال المغرب في بُعد واحد، مهما كانت وجاهته الرمزية، ليس سوى تبسيط مخل، بل وتزييف للتاريخ.

هنا بالضبط، يبرز التشابه اللافت بين هذا الخطاب وبعض أشكال السلفية الدينية. فكما أن هناك من يحلم بالعودة إلى “زمن الصفاء” الديني، وإحياء نموذج مثالي متخيَّل للخلافة، نجد من يحلم، في المقابل، ببعث “مغرب أمازيغي خالص”، وكأن التاريخ يمكن أن يُعاد تشغيله من نقطة الصفر. في الحالتين، نحن أمام حنين انتقائي إلى ماضٍ مُتخيَّل، يتم انتقاؤه وتجميله، ثم تقديمه كحل لأزمات الحاضر. إنها الماضوية بوجهين.

لا يكاد يكون هناك اختلاف جوهري بين السلفيتين: الذهنية نفسها، والإنكار نفسه للتاريخ، ورفض منطق التطور والتراكم. سلفيتان تلوذان بماضٍ “نقي” لا وجود له، للتبشير بقطيعة مع حاضر ابتعد، في نظرهما، عن “الأصل”. وهذا الخطاب، الذي ينادي باسترجاع الأرض من “محتلين عرب” وفدوا من المشرق، لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ، بل يمارس نوعاً من “السلفية العرقية” التي تتوهم وجود نقاء سلالي خالص في بلد كان دوماً معبراً للحضارات ومصهراً للشعوب.

ولعل الأخطر في هذه السرديات أنها لا تكتفي بالحنين إلى الماضي، بل تسعى إلى فرضه على الحاضر، عبر نفي التعقيد، وتبسيط الواقع، وتحويل الهوية إلى أداة صراع بدل أن تكون فضاءً للتعايش. وهنا، لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى رؤية إقصائية، تستبدل التنوع بالتطهير الرمزي، والتعدد بالانغلاق.

إن القول بوجود تشابه بين الداعين إلى “الخلافة الإسلامية” ودعاة “الخلافة الأمازيغية” قد يبدو صادما للبعض، لكنه يكشف عن بنية فكرية مشتركة: كلاهما يقوم على إنكار الزمن، ورفض التحولات، والبحث عن شرعية في ماضٍ مُؤسطَر، بدل الانخراط في تعقيدات الحاضر. الفرق، في النهاية، ليس في المنهج، بل في المضمون.

الهروب نحو الماضي، والدعوة إلى الانفصال، يجمعان بين “الخلافتين”: طرف يمارس انفصالاً عن التدين المغربي باستدعاء نموذج ديني سابق، وطرف يسعى إلى الانفصال عن هوية مركبة صقلها التاريخ، من أجل استعادة أمجاد متخيَّلة لمغرب “خالص” لم تَمَسَّه يد الاختلاط. كلاهما ضد التراكم، وكلاهما ينكر ويعادي الخصوصية المغربية، سواء في بعدها الديني أو الهوياتي.
هذا ليس نقاشاً هوياتياً مشروعاً، بل هو إنكار فجّ للتاريخ. والأسوأ من ذلك أنه يقوم على واحدة من أكثر الأفكار خطورة وتهافتا في التاريخ الإنساني: وهم النقاء العرقي. هذه الفكرة التي أنتجت الإمبريالية والاستعمار والنازية والفاشية والصهيونية. وهي الفكرة نفسها التي أسقطتها العلوم الحديثة، وفضحها التاريخ مراراً، ومع ذلك تعود اليوم بلبوس جديد، هذه المرة باسم “الأصالة”.

المغرب، لم يكن يوماً أحادياً، ولن يكون. قوته لم تكن في نقائه، بل في قدرته على التركيب، وعلى استيعاب الاختلاف، وعلى تحويل التعدد إلى عنصر غنى، لا إلى سبب صراع. وكل خطاب يسعى إلى الانفصال وتفكيك هذا التوازن، باسم الدين أو الهوية أو العرق، إنما يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي يدّعي معارضته.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس في اختيار “هوية ضد أخرى”، بل في الدفاع عن فكرة المغرب نفسها: كفضاء مفتوح، متعدد، ومعقّد… لا يُختزل في أصل، ولا يُختصر في رواية واحدة، ولا يُختزل في سرديات سلفية.

Shortened URL
https://safircom.com/kx0k
Lebchirit

Recent Posts

محكمة التحكيم الرياضي تمنح المغرب مهلة للرد على طعن السنغال

دخل النزاع القانوني حول لقب كأس أمم إفريقيا 2025 مرحلة حاسمة، حيث حددت محكمة التحكيم…

3 دقائق ago

بعد ملاحظات مجلس بوعياش.. المجلس الاقتصادي ينتقد محدودية دور وكالة الطفولة

دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إعادة النظر في مشروع قانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث…

33 دقيقة ago

طنجة.. موجة غضب بمقاطعة بني مكادة بسبب “تمجيد إسرائيل”

شهدت أشغال الدورة الاستثنائية لمجلس مقاطعة بني مكادة بطنجة، أمس الإثنين، حالة من الاحتقان الشديد…

ساعة واحدة ago

تصريح نادية فتاح العلوي يعيد الجدل حول المزيج الطاقي وتكرير البترول بالمغرب

أفادت وزيرة الاقتصاد والمالية، خلال جلسة برلمانية خصصت للأسئلة الشفوية، أن التوجه الاستراتيجي للمغرب يقوم…

ساعتين ago

جمعية حماية المستهلك تدق ناقوس الخطر بشأن تراجع القدرة الشرائية للمغاربة

عبرت الجمعية المغربية لحماية المستهلك عن قلقها المتزايد إزاء استمرار تدهور القدرة الشرائية للمغاربة. في…

13 ساعة ago

تتويج “أحسن الكسابة” في قطب تربية المواشي في الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس

شهد الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس (SIAM) في دورته الثامنة عشرة، اليوم الاثنين بمكناس، تكريم الكسابة…

14 ساعة ago

This website uses cookies.