الرئيسي

حديث الثلاثاء.. بين الصواريخ والسجاد: كيف تفاوضت طهران؟

بقلم: عمر لبشيريت

عندما تنتهي الحرب من دون تغيير الوضع السياسي القائم على الأرض، لا يُعد ذلك نصراً عسكرياً. تلك هي إحدى القواعد الأساسية في الحروب. وقد انتهت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران إلى اتفاق لا علاقة مباشرة له بالأهداف التي اندلعت بسببها.

لنتذكر جيداً أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حربهما على إيران من أجل أهداف واضحة: تغيير النظام السياسي، وتدمير المشروع النووي، وتقويض القدرات الصاروخية. غير أن الحرب انتهت بفتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وهما موضوعان لم تندلع الحرب أساساً من أجلهما.

بعد الأسبوعين الأولين من الحرب، بدا واضحاً، كما نبه إلى ذلك العديد من الخبراء العسكريين، أن الانتصار على إيران لم يكن ممكناً من دون تدخل بري واسع أو اندلاع «ثورة داخلية».

ورغم محاولات تأجيج الوضع الداخلي في إيران، خلال الأسابيع التي سبقت الحرب، من قبل الموساد وأجهزة الاستخبارات الأميركية، فإن الضربات العنيفة والقوة النارية الهائلة التي استخدمتها واشنطن وتل أبيب لم تؤدِّ إلى تحريك الداخل الإيراني.

وخلال الحرب، حافظت إيران على قدرتها على الرد العسكري، ووسعت نطاق المواجهة نحو القواعد ومنصات الارتكاز الأميركية والإسرائيلية في الخليج، قبل أن تلوّح بأهم أوراقها الاستراتيجية: مضيق هرمز.

وبقدر كبير من البراغماتية، التي تجمع بين التقية والمرونة الشرعية والصبر الاستراتيجي، تكشف طريقة إدارة إيران للأزمات عن عقل سياسي شديد التعقيد، يمزج بين الإرث الإمبراطوري الفارسي، والبراغماتية السياسية ذات الخلفية المذهبية، والنزعة القومية الحمائية. ومن دون فهم هذا المزيج، يصعب تفكيك السلوك الإيراني في لحظات التوتر الكبرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات مع الولايات المتحدة أو بإدارة الملفات النووية والعسكرية والاقتصادية.

فالتفاوض بالنسبة إلى طهران ليس مجرد مسار تقني مباشر، بل عملية طويلة النفس تقوم على الصبر والمناورة وتوزيع الأدوار واستثمار الوقت وربط الملفات الداخلية بالخارجية. ولهذا كثيراً ما تُشبَّه الدبلوماسية الإيرانية بحياكة السجاد الفارسي؛ عمل بطيء ودقيق ومعقد ومتدرج، يقوم على التفاصيل الصغيرة قبل أن تكتمل صورته النهائية.

في هذا السياق، تعتمد إيران على ما يمكن تسميته بـ«الصبر الاستراتيجي»، حيث يمتلك المفاوض الإيراني قدرة كبيرة على تمديد المهل الزمنية، وإغراق الطرف المقابل في التفاصيل، واستنزافه بمرور الوقت، إلى أن يصبح أكثر استعداداً لتقديم التنازلات، خصوصاً إذا كان خاضعاً لضغوط داخلية مثل الانتخابات أو ارتفاع أسعار النفط أو الأزمات الاقتصادية.

كما تلجأ طهران إلى استراتيجية «تعدد الأصوات» داخل النظام. فبينما يظهر الجهاز الدبلوماسي بوجه مرن ومنفتح، يرفع الحرس الثوري والتيارات المتشددة سقف التهديد العسكري. وهذا التناقض الظاهري ليس دائماً علامة ارتباك، بل يشكل في كثير من الأحيان أداة تفاوضية تهدف إلى إقناع الغرب بأن عدم الاتفاق مع «المرنين» قد يفتح الباب أمام «المتشددين».

غير أن أهم ما يميز العقل السياسي الإيراني هو قدرته على الفصل بين الأيديولوجيا والمصلحة. فالشعارات الثورية تُستخدم لتعبئة الداخل وتعزيز الشرعية، لكن طهران، عند لحظة الحسم، تتصرف بمنطق الدولة الواقعية التي تبحث عن النفوذ والموارد والاعتراف الدولي وضمان بقاء النظام.

وقد عكست الأزمة الأخيرة هذا السلوك بوضوح. فقد أدارت إيران المواجهة من خلال الجمع بين التصعيد العسكري والبراغماتية الدبلوماسية. رفعت مستوى الضغط عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز واستهداف مصالح الطاقة، مدركة أن هذا الممر الحيوي يمثل ورقة ضغط عالمية لا يمكن لواشنطن تجاهلها. لكنها، في المقابل، حرصت على ألا يتجاوز التصعيد حدوداً قد تقود إلى حرب شاملة تهدد بقاء النظام نفسه.

ومن هنا جاءت إدارة الأزمة وفق منطق «حافة الهاوية المحسوبة». فقد صعّدت طهران بما يكفي لفرض التفاوض، لكنها تراجعت في اللحظة المناسبة لتجنب الانفجار الكبير. كما ربطت بين ساحات النفوذ الإقليمي، من الخليج إلى لبنان، بما جعل أي تسوية معها تبدو مدخلاً لتهدئة أوسع في المنطقة.

وعلى المستوى التفاوضي، لم تفصل إيران بين الميدان وطاولة المفاوضات. فقد واصلت الضغط العسكري والسياسي وهي تتفاوض، مستعملة التصعيد كورقة قوة لتحسين شروطها. كما قبلت بمنطق «خطوة مقابل خطوة»، عبر تفاهمات مرحلية تقوم على تجميد بعض الأنشطة الحساسة مقابل فتح المضيق وتخفيف الحصار البحري والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، مع ترحيل القضايا الأكثر تعقيداً إلى جولات لاحقة.

داخلياً، يمنح هذا الاتفاق النظام الإيراني جرعة أوكسجين مهمة. فاستئناف جزء من صادرات النفط وتحرير الأموال المجمدة يمكن أن يساعدا في تخفيف الضغط المعيشي وكبح التضخم وتهدئة الشارع الذي أنهكته العقوبات والأزمات الاقتصادية. كما يمنح النظام فرصة لتقديم الاتفاق باعتباره اعترافاً دولياً بمكانة إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

غير أن هذه المكاسب لا تخلو من مخاطر داخلية. فكل تقارب مع واشنطن يثير حساسية الجناح العقائدي المتشدد، خصوصاً داخل الحرس الثوري، الذي قد ينظر إلى بعض التنازلات النووية أو الأمنية باعتبارها تراجعاً عن الخطاب الثوري. لذلك قد يؤدي الاتفاق إلى تعميق الصراع المكتوم بين البراغماتيين والمتشددين حول مستقبل النظام وطريقة إدارة موارده ونفوذه.

ومن المرجح أن تساهم هذه الأزمة في إعادة ترتيب موازين القوى داخل إيران، ليس عبر ثورة أو تغيير جذري، بل من خلال صعود نخب جديدة داخل بنية النظام. فالأزمات الكبرى في التجربة الإيرانية كانت دائماً مناسبة لفرز القيادات وإعادة توزيع النفوذ.

وفي هذا الإطار، يبرز احتمال صعود جيل جديد من «التكنوقراط العسكريين»، أي قيادات داخل الحرس الثوري تجمع بين الخبرة الأمنية والعسكرية من جهة، وفهم الاقتصاد السياسي والتفاوض الاستراتيجي من جهة أخرى. فهؤلاء يدركون أن بقاء النظام لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى هامش اقتصادي مرن وشبكة علاقات خارجية قادرة على تخفيف العزلة.

كما قد تعزز الأزمة مكانة مهندسي الدبلوماسية السرية، أي الشخصيات التي أدارت القنوات الخلفية في عواصم مثل مسقط والدوحة وإسلام آباد. فهؤلاء قد يتحولون إلى واجهات سياسية مقبولة دولياً، خصوصاً إذا دخل الاتفاق مرحلة اختبار تمتد لأسابيع أو أشهر.

وتبقى كل هذه التحولات مرتبطة بملف أكثر حساسية، هو مستقبل القيادة العليا في إيران ومرحلة ما بعد علي خامنئي. فنجاح النظام في عبور هذه الأزمة الاقتصادية والعسكرية قد يقوي تياراً وسطياً داخل بنية السلطة، مدعوماً من الحرس الثوري والبراغماتيين معاً، وقادراً على تقديم مرشح توافقي للمرحلة المقبلة، بعيداً عن غلاة التشدد الذين قد يدفعون البلاد نحو مواجهة شاملة ومكلفة.

في الخلاصة، لا يمكن قراءة الاتفاق الأميركي الإيراني باعتباره مجرد تفاهم تقني حول مضيق هرمز أو التخصيب النووي أو الأموال المجمدة. إنه، في جوهره، اختبار جديد لطريقة تفكير إيران في الأزمات: تصعيد محسوب، وتفاوض طويل، وتوظيف للأيديولوجيا، وانحناء براغماتي عندما تفرض المصلحة ذلك. إنها دبلوماسية السجاد؛ بطيئة، معقدة، ومبنية على خيوط كثيرة، لكنها لا تتحرك إلا وفق هدف واحد: ضمان بقاء النظام وتعزيز موقع إيران في معادلة الإقليم.

عندما كان دونالد ترامب يعلن، كل يومين، أنه انتصر في الحرب، كانت إيران تدرك أنه مستعجل لإنهائها. فأدخلته إيران إلى دوامة البازار الإيراني لإتمام صفقة البيع.

في أسواق السجاد التقليدية في إيران، لا تتم الصفقة بسرعة. فالبائع لا يبدأ عادة بسعره الحقيقي، والمشتري لا يقدم عرضه النهائي منذ البداية. وتصبح المفاوضة نفسها جزءاً من العملية التجارية. وخلالها يتم اختبار صبر الطرف الآخر، ومعرفة حدوده، واستخراج أكبر قدر من التنازلات الممكنة.

Shortened URL
https://safircom.com/c2w6
Lebchirit

Recent Posts

حزب الأصالة والمعاصرة يرشح رؤساء مجالس منتخبة باسم “الأحرار”

حسم حزب الأصالة والمعاصرة، بشكل رسمي، في تزكية رئيسة المجلس الجماعي لبرشيد، منال بادل، بدائرة…

11 دقيقة ago

20 سنة على ميثاق المسؤولية المجتمعية للمقاولات

احتفى الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الاثنين بالدار البيضاء، بمرور 20 سنة على إطلاق ميثاق المسؤولية…

22 دقيقة ago

سخرية وانتقادات تطال وزيرة الإسكان بعد حديثها عن استفادة الشباب من دعم السكن

أثارت تصريحات وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بشأن استفادة فئة الشباب من…

46 دقيقة ago

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع نمو الاقتصاد المغربي في 2026 مع بعض التحذيرات

توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن يسجل الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 5 % خلال…

51 دقيقة ago

منتدى محو الأمية بالجديدة يبرز قصص التمكين

انطلقت، أمس الاثنين بالجديدة، فعاليات الدورة الثانية للمنتدى الإقليمي لمحو الأمية والتعلم مدى الحياة، في…

ساعتين ago

يونيسيف ترصد اتساع مخاطر المناخ على الأطفال

كشف تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة، الثلاثاء، أن نحو 1.1 مليار طفل حول…

ساعتين ago

This website uses cookies.