بقلم: عمر لبشيريت
وجد الطاهر بنجلون نفسه وسط ورطة حقيقية، وهو يحاول إقحام نفسه في قضية المؤرخ والأستاذ الجامعي المعطي منجب.
الرجل، الذي يريد أن يكون فرنسيًا في فرنسا ومخزنيًا في المغرب، وضع قدميه في حقل ألغام، قبل أن ينجح في النهاية في الإفلات منه، هاربًا نحو “التأويل” الفرنسي للديمقراطية والحريات.
لا يمكن أن تلعب على الحبلين معًا. فإما أن تنتصر للحرية والعدالة والديمقراطية بشكل دائم، أو أن تدافع عن الشطط والظلم.
وفي قضية المعطي منجب، أراد الطاهر بنجلون أن يقدّم “خدمة”، لكنه تنبّه إلى أن تداعياتها قد ترتد عليه حين يعود إلى فرنسا، حيث ستساءله وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية عن معنى تبريره وانحيازه إلى التنكيل والهجوم على باحث أكاديمي مغربي.
نعم، كان المعطي منجب يسعى إلى إحراج ومساءلة الكاتب الفرنسي/المغربي بشأن الإدانة والحكم اللذين أصدرهما في حقه، ومن حقه أن يفعل ذلك. غير أنه مُنع من دخول معرض الكتاب، ونجح الطاهر بنجلون في الإفلات من ورطة حقيقية، من خلال إعادة وضع قضية محنة المعطي منجب في سياقها المناسب، وبذلك راجع نفسه، وقدم خدمة كبيرة للمعطي منجب.
ليس من السهل اختزال قضية المعطي منجب في ملف قضائي عادي، ولا من الدقة حصرها في رواية واحدة جاهزة. فقد أصبح الرجل، على مدى سنوات، عنوانًا لسجال أعمق بكثير: سجال حول معنى العدالة، وحدود السلطة، ومجال حرية التعبير في المغرب، وكيفية تدبير التعاطي مع الأصوات والتعبيرات التي تقلق “”السردية الرسمية”.
في المقابل، لا يحتاج المدافعون عن منجب إلى كثير من الجهد لصياغة روايتهم. يكفيهم ترتيب الوقائع: مثقف ناقد، مبادرات إعلامية مستقلة، مواقف مزعجة… ثم مسار قضائي طويل ومتشعب، وحملة تشهير واسعة ومنظمة. بالنسبة لهم، ليست المشكلة في وجود “تهم”، بل في السياق الذي وُلدت فيه، وفي الكلفة التي يدفعها كل من يختار الخروج عن “السردية الرسمية”.
المشكلة ليست في أن تُتابع الدولة مواطنًا، أيًا كان موقعه، بل في أن تبدو المتابعة، في نظر جزء من الرأي العام، وكأنها مرتبطة بما يقول، لا بما يُنسب إليه. هنا تحديدًا تفقد العدالة حيادها الرمزي، حتى وإن حافظت على شكلياتها القانونية.
قضية المعطي منجب، إذن، ليست مجرد ملف قضائي طويل، بل هي اختبار قاسٍ لمدى قدرة الدولة على التمييز بين الردع المشروع والتضييق غير المعلن، واختبار لمدى قدرة القضاء على أن يكون مُقنعًا، لا مجرد مُلزِم، واختبار أيضًا لنخبة سياسية وحقوقية كثيرًا ما تكتفي بردود الفعل بدل طرح الأسئلة الحقيقية.
على مدى أكثر من عقد، تنقلت القضية بين تهم ثقيلة وأخرى مالية، بين تأجيلات لا تنتهي وإجراءات متراكمة، دون أن تنجح المؤسسات في تقديم رواية مقنعة وواضحة. لا للرأي العام الداخلي، ولا للمراقبين في الخارج. وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن تكون الدولة على حق قانوني، بل يجب أن تكون قادرة على الإقناع.
إحدى عشرة سنة، والمعطي منجب يواجه دوامة قضائية طويلة، انطلقت بتهمة ثقيلة: “المس بأمن الدولة الداخلي” (وهي تهمة تعود إلى حقبة سنوات الرصاص). ثم اختفت هذه التهمة دون أن نعرف طبيعة التهديد الذي يُفترض أن باحثًا جامعيًا قد شكّله على أمن الدولة، لتتحول القضية إلى ملفات وتهم ذات طابع مالي.
الغريب في هذه المحنة أنه لا وجود لمتضرر مباشر؛ فالهيئات الدولية المانحة لأنشطة “مركز ابن رشد”، الذي يشرف عليه المعطي منجب، لم تنتصب طرفًا مدنيًا، ولم تقدّم أي شكوى، ولم تتهمه، إطلاقا، بالاختلاس أو السرقة.
انطلقت المحنة سنة 2015، ودخل الملف دوامة التأجيلات القضائية دون مبرر واضح. ثم فُتح تحقيق جديد سنة 2020، هذه المرة بتهمة “غسل الأموال”، ليتم اعتقاله في الشارع العام.
وفي سنة 2021، حُكم عليه بالسجن سنة واحدة في القضية الأصلية، وبعد شهر من الإضراب عن الطعام تم الإفراج عنه، مع استمرار متابعته في قضايا أخرى.
عرفت القضية عشرات التأجيلات على مدى ثلاث سنوات دون صدور حكم نهائي، مع فرض قيود صارمة على تحركاته: منعه من التدريس، إيقاف راتبه، تجميد حساباته وممتلكاته، ومنعه من السفر إلى الخارج، سواء للتدريس أو المشاركة في أنشطة أكاديمية أو حتى لقاء عائلته في فرنسا.
وطيلة هذه المحنة، لم تتوقف آلة التشهير الجهنمية ضد الرجل؛ إذ تم تسريب وثائق تخصه ووثائق من ملف المحكمة، ونُشرت في صحافة التشهير، دون أن يصدر أي اعتراض واضح من الجهات القضائية. كانت حملة ممنهجة ومتعددة الأشكال، استُعملت فيها مختلف الوسائل الإعلامية.
وفي 24 يوليوز 2024، صدر عفو ملكي في حق المعطي منجب، إلى جانب صحافيين آخرين. ومع ذلك، لم يُسمح له بالعودة إلى عمله، ولا باسترجاع راتبه، ولا بالتصرف في ممتلكاته، ولا بالسفر إلى الخارج، رغم تلقيه دعوات من عدة جامعات لإلقاء محاضرات. وضع يقترب من الإقامة الجبرية، يُضاف إليه استمرار حملات التشهير والتشويه.
يبقى السؤال الأهم معلقًا: كيف يمكن لدولة تسعى إلى ترسيخ صورتها كبلد إصلاحات أن تدير مثل هذه الملفات دون أن تتحول إلى مصدر دائم للشك؟
نحن أمام خلل في منطقة رمادية: حين تستعمل الدولة أدوات القانون في فضاء يختلط فيه السياسي بالحقوقي، فإنها تخاطر بشيء أخطر من الانتقاد… تخاطر بفقدان الثقة؛ الثقة في الخطاب الموجّه إلى الخارج، والثقة في “السردية الرسمية” حول المناعة والإصلاحات.
ليس من قبيل الصدفة أن تتحول هذه القضية إلى مادة دولية. تقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية لم تأتِ من فراغ، بل من فراغ في الإقناع. فالدولة التي لا تقنع بما يكفي، تترك الآخرين يشرحون مكانها، والدولة التي لا تحسم ملفاتها في وقت معقول تفتح الباب أمام كل التأويلات… وأكثرها قسوة.
في النهاية، من هم الأكثر وضوحًا: “ضحايا” المعطي منجب الذين لم يتقدموا بشكاية ولا نعرف عنهم شيئًا، أم ضحايا “فراقشية” اللحوم والأدوية والطحين، الذين نعرف عنهم كل شيء، ونعرف حجم الأضرار التي لحقت بهم.
أدانت المحكمة الابتدائية بالرباط، يوم الثلاثاء، "اليوتيوبر" محمد رضا الطاوجني في القضية التي رفعها الأمير…
تواجه رئاسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان اختبارا حرجا لمصداقيتها المؤسساتية، إثر بروز معطيات "صادمة" تضمنتها…
استقبل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يوم الإثنين بمقر المنظمة في نيويورك، السفير الممثل…
تمكنت عناصر الشرطة بولاية أمن العيون، بتنسيق وثيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني،…
تصاعدت حدة الرفض داخل الأوساط الجامعية بالمغرب لمضامين مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة…
بموافقة 70 نائبا، فيما ومعارضة 25 نائب، صادق مجلس النواب مساء يوم أمس الاثنين 4…
This website uses cookies.