فن وثقافة

​دفء الرمال وصقيع الغربة: في “ملجأ الهويات التائهة ” لمجيد بلال

بقلم: مريم أبوري 

ما أن يقع نظر القارئ على الغلاف، حتى يستوقفه الكوخ الإيغلو الثلجي؛ رمز صقيع كندا، مغروس في قلب رمال ساخنة ترمز للمغرب، حيث الجذور والأصل. ليتشكل بذلك ( ملجأ الهويات التائهة) المتأرجحة بين برودة الغربة و دفء رمال الجذور والذاكرة.

لم يكن تقديم الكاتب محمد نضالي للكتاب مجرد شهادة مجاملة عابرة، بل كان اعترافا بوقوعه في الخطأ حين اعتقد للوهلة الأولى أنه نص كباقي النصوص التي تتناول الهجرة دون أن يحمل جديدا؛ ليتفاجأ بأنه أمام إبداع رائع. فلم يكتب مجيد بلال بدافع التدوين اليومي العادي عن الهجرة، أو عن الحنين الرومانسي الجاف؛ بل دون تأملات بحس رفيع، ولغة فرنسية حكائية راقية ومشحونة بانفعالات ومشاعر، تقذف بالقارئ في قلب عاصفة بوح الكاتب و أزماته الشخصية. و تسبح به في نهر تأملاته الهادئ رغم شلال المواقف التي عاشها وعايشها في غربته.

وقد نجح المترجمان عبد العزيز كوكاس وسعيد رباعي بترجمتهما الراقية، في إيصال هذه النصوص إلى القارئ العربي بنبضها الأصلي ومرارتها الاغترابية.

أعاد الكاتب في نصوصه تفكيك الهوية المغربية و إعادة ترتيبها؛ فمحكيات مجيد بلال ليست مجرد قصص، بل هي تشريح دقيق لنفسية المهاجر الممزق بين برودة الغربة و حرارة رمال الوطن. إنها بمثابة مصحة نفسية لضحايا الهجرة، و ( ملجأ الهويات التائهة) بين الهنا والهناك. كتبت بلغة تشظ، حيث يوحي اسلوب تقطيع الجمل بأن السارد يترنح بين رغبة البوح و قيود الكتمان، معتمدا على الشذرات و حديث النفس والذات الذي يعكس تيه المهاجر وافتقاده للاستقرار.

وظف الكاتب الأشياء اليومية ( البلغة ، السترة، طعم الكمون ، الحناء، الجاكر…) كرموز هوياتية؛ فالبلغة مثلا ترمز للمغرب والأصل، بينما التنورة الإسكتلندية ترمز للغرب وبلدان الهجرة. كما انفتح النص على اقتباسات متعددة لكتاب غربيين كبار، وأفلام، و شخصيات، ومعزوفات موسيقية…

هذا التأرجح بين الضفتين يجعل القارئ يستشعر برودة الغربة الكندية و عزلتها، وفي الوقت نفسه، يدفأ بحرارة الموروث والذاكرة والنوستالجيا الممتزجة بتمازيغت وتمغريبيت، ليتأكد مع الكاتب أن الهوية كائن حي متحول. هي هويات حية وتتغير. وهنا يبرز ( التيه الهوياتي) في أقصى تجلياته، حيث يصبح المهاجر غريبا عن أهله ووطنه اكثر مما كان عليه لحظة الفراق.

لقد حضرت في النصوص شخصيات وتيمات مكثفة: الابنة ، الأب، الأم، تمازيغت( البلاد )، الزوجة، الجيران، الصديق، الموت، الإسلاموفوبيا، المطار، الطلاق ، العناية بالطفلة وحيدا، الوحدة و العزلة… وصولا إلى طقوس الكتابة التي تقود إلى السمنة والأمراض و المستشفى.

كأن مجيد بلال لم يكن يرقن على حاسوبه، بل كان يكتب بمداد من دمه الذي ينزف نصوصا مؤلمة لكنها هادئة، ترمي لنا بمعاناة المهاجر بأسلوب جميل عذب، و يسقينا رشفة رشفة من مشروب تأملات حياته المغتربة في بلاد الصقيع.

Shortened URL
https://safircom.com/1i2p
سفيركم

Recent Posts

كأس الشاي يقود معرض مصطفى بوجمعاوي بالدار البيضاء

افتتح مساء أمس الأربعاء بفيلا كارل فيك، متحف ذاكرة الدار البيضاء، معرض “مصطفى بوجمعاوي: شاعرية…

23 دقيقة ago

المحامون يقررون شل المحاكم لأسبوع كامل ردا على “تصريحات مستفزة” لوزير العدل

قرر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خوض إضراب إنذاري شامل وتوقف تام عن تقديم الخدمات…

58 دقيقة ago

رسميا.. استبعاد الزلزولي وأكرد من المونديال بسبب الإصابة

تلقى المنتخب المغربي ضربة قوية قبل ثلاثة أيام فقط من مباراته الأولى في نهائيات كأس…

ساعة واحدة ago

“خطر الوفاة” ومطلب “العفو الملكي”.. تقرير طبي يكشف تفاصيل مرعبة عن وضعية ابتسام لشكر

تواجه الناشطة النسوية المغربية، ابتسام لشكر، خطرا وشيكا يهدد حياتها وبتر ذراعها جراء تدهور وضعها…

ساعتين ago

بعثة اقتصادية مصرية بالمغرب لتعزيز التعاون في الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف

استقبل المغرب يومي 9 و10 يونيو 2026 بعثة اقتصادية مصرية متخصصة في قطاعي الصناعات الغذائية…

12 ساعة ago

في تقييم يشمل الاقتصاد والحوكمة.. المغرب يحل رابعا في تصنيف الأداء في إفريقيا

حلّ المغرب في المرتبة الرابعة ضمن تصنيف أفضل الدول الإفريقية أداء لعام 2026، الصادر عن…

13 ساعة ago

This website uses cookies.