الرئيسي

دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في بناء الوعي المجتمعي

بقلم: محمد  لغروس*

مقدمة 

لا يختلف اثنان في أهمية شبكات التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي، نظرا للدور التي تلعبه في تأطير المجتمع أو في التأثير على القرار السياسي وكذا صناعة الرأي العام وتوجيهه، كما أنها تطورت من مجرد أداة ترويجية لوسائل الإعلام إلى كيان مستقل بذاته يقوم بكل وظائف الإعلام من إخبار وتثقيف وتوجيه ومراقبة (السلطة الرابعة)، ناهيك عن وظائف التنسيق والتشاور بين مكونات المجتمع، والتعبئة والحشد من أجل قضايا الوطن، وغيرها من الوظائف التقليدية أو المستجدة.

ولم تعد هذه الشبكات ترفا أو نشاطا هامشيا لدى مستخدمي الإنترنيت، بل تحولت في ظرف سنوات قليلة إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية لمعظم المغاربة شأنهم شأن باقي شعوب العالم، وهو ما تؤكده معظم الدراسات الصادرة في هذا الشأن، فمثلا حسب “بارومتر الشبكات الاجتماعية”، الصادر عن مجموعة “سونرجيا” المتخصصة في التسويق، فإن نسبة المغاربة الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي وصلت عام 2024 إلى 80 في المائة من الساكنة، وفي مقدمة هذه الشبكات يأتي تطبيق “واتساب” بحيث يستخدمه 76% من المغاربة (93 في المائة منهم يستخدمونه يوميا)، ثم “فيسبوك” الذي يستخدمه 68% (82 في المائة منهم يستخدمونه يوميا)، متبوعا بـ”إنستغرام” المستعمل من لدن 40% من المغاربة (83 في المائة منهم يستخدمونه يوميا).

وتعد فئة الشباب من بين أكثر الفئات استعمالا لشبكات التواصل الاجتماعي، فمثلا نجد أن 84 في المائة من الفئة العمرية بين 18 و24 عاما يستعملون واتساب، و83 في المائة منها يستعملون فيسبوك، و72 في المائة من هذه الفئة تستعمل إنستغرام. أما في الفئة العمرية الموالية أي بين 25 و34 عاما نجد أن 90 في المائة يستعملون واتساب، و84 في المائة يستعملون فيسبوك، و63 في المائة من هذه الفئة تستعمل إنستغرام.

ومن حيث مدة استهلاك محتويات شبكات التواصل الاجتماعي، خلصت دراسة أنجزتها مجموعة DigitrendZ أن مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي بالمغرب يقضون حوالي 4 ساعات يوميا في هذه المنصات، وأجاب 75 في المائة من المستجوبين في هذه الدراسة أنهم يتابعون “المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي بمعدل 15 متابع لكل شخص.

إكراهات أمام الزحف

بالقدر الذي يتيح هذا الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي فرصا كبيرة وإضافة نوعية في جهود التثقيف والتوعية، يخلق أيضا إكراهات متعددة وتحديات من شأنها هدم مجتمعات أو عرقلة مسار التنمية والعودة بالشعوب إلى الوراء إذا لم تنتبه الدول والنخب والمجتمعات المدنية إلى هذه الإكراهات، وإذا لم تبادر إلى مواجهتها واتخاذ ما يلزم من إجراءات ومبادرات ناجعة تتماشى مع مقتضيات التطور والتقدم وتراعي منظومة حقوق الإنسان ولا تقوض الحريات على رأسها حرية التعبير.

وتجنبا للإطناب والإطالة، سنقتصر على 3 إكراهات فقط:

الإكراه 1: ثنائية الحرية والمسؤولية

خلقت شبكات التواصل الاجتماعي مساحة هائلة تتيح لكل مواطن ولكل شخص، أيا كانت مسؤولياته ومكانته، التعبير عن أفكاره ومعتقداته ونشرها، والتفاعل مع الآخر إيجابا أو سلبا، اتفاقا أو اختلافا، غير أن الملاحظ هو خروج حرية التعبير، في أحيان كثيرة، عن الإطار المسموح به وتجاوزه إلى القذف والسب، بل إلى التشهير وانتهاك الحياة الشخصية والمعطيات الخاصة، وخدش الحياء العام، والإساءة إلى ثوابت الوطن ومقدسات الأمة، وغيرها من السلوكات التي يجمع الكل على رفضها بل ويعاقب عليها القانون.

الإكراه 2: الإشاعة وباء قاتل

تجد الإشاعة مساحة كبيرة في شبكات التواصل الاجتماعي، وتملك قدرة كبيرة على الانتشار تفوق قدرة التكذيبات وبيانات الحقيقة، ربما لأن الكذب يحمل من الإثارة أضعاف ما تحمله الحقيقة.

إن إكراه الإشاعة والأخبار المضللة والمعلومات الكاذبة التي أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي المستنقع المفضل لها، ليس إكراها محليا أو مقتصرا على بلد دون غيره، بل تحول إلى هم ومشكلة عالمية ترهق المؤسسات والحكومات ومختلف الفاعلين، فعلى سبيل المثال سبق للمفوضية الأوروبية مراسلة كل من “فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل” لحثهم على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد انتشار الأخبار المزيفة، وخصصت شركة “غوغل” عام 2018 ميزانية 300 مليون دولار من أجل “دعم الصحافة الموثوقة ومكافحة وباء انتشار المعلومات الخاطئة وغير الموثوق بها عبر الإنترنيت”، ووعد مؤسس موقع “فيسبوك” في العام ذاته بالعمل على “خلق بيئة صحية للتواصل بين الناس” بعدما انحرف الموقع عن مساره الأصلي بسبب ما تبثه الصفحات العامة من أخبار كاذبة ومنشورات تؤثر سلبا على ثقة المستخدمين.

الإكراه 3: الاستهلاك دون إنتاج

لعل أحد أخطر الإكراهات التي تواجه النخبة لدى استخدامها لهذه الشبكات، هو إكراه عدم السقوط في فخ الاستهلاك المفرط دون إنتاج، في حين أن الدور المنوط بالنخب أساسا هو إنتاج الأفكار ومناقشتها والتأثير في الرأي العام، وعلى أضعف الإيمان الانخراط في مناقشة الأفكار وتطويرها، وليس الانسياق خلف الحشود والذوبان وسطها دون أي أثر يذكر.

ولا يخفى على متتبع أو مستعمل لشبكات التواصل الاجتماعي، أن الطاغي والمنتشر هو إعادة تدوير ما تنتجه قلة من صناع المحتوى ــ ولا نقصد أساس بـ”صناع المحتوى” ما أصبح يعرف بـ”المؤثرين”، بل كل شخص قادر على إبداع وإنتاج محتوى ما أيا كان شكله (فيديو، صورة، نص) وأيا كان مضمونه (جاد / تافه) ــ، وتحولت الأغلبية العامة من مستخدمي هذه الشبكات إلى آلة يدوية للنسخ واللصق (Copier – Coller) سواء كان هذا النسخ حرفيا أم بإعادة ترتيب الكلمات وتغيير العبارات، مما يطرح استفهاما كبيرا عن أي مجتمع نريد؟ وأي نخبة تؤطره؟ ومن المسؤول عن نشر الوعي وتوريث القيم؟ ومن سيحمل مشعل قيادة المجتمع وتأطيره إذا تخلت النخب عن أدوارها وعاد الكل إلى صفوف التبعية والاستهلاك بدون وعي؟.

مسؤولية النخب والفاعلين

أمام هذا الواقع الغني بالفرص المليء بالإكراهات، تجد نخبة المجتمع من أكاديميين وفاعلين حزبيين وسياسيين ومجتمع مدني، نفسها أمام مسؤوليات جسام من أجل استثمار ما تتيحه هذه الشبكات من إمكانات من أجل المساهمة في بناء الوعي المجتمعي؛ وهذا الوعي الذي لا يعني بالضرورة التعلم وإن كان هذا الأخير أحد عوامله وأسسه. الوعي الذي يساهم في تجاوز ما سبق ذكره من إكراهات، ويتركز أساسا على “الحرية المقرونة بالمسؤولية”، كما عبرت عنه الرسالة الملكية الموجهة إلى أسرة الصحافة والإعلام بمناسبة اليوم الوطني للإعلام عام 2002، إذ قال جلالته “… كما أن التأكيد على ملازمة المسؤولية للحرية مرده الى اعتبار أنه لا يمكن للإعلام أن يكتسب المصداقية الضرورية وأن ينهض بالدور المنوط به ويتبوأ المكانة الجديرة به في حياتنا العامة ما لم تمارس هذه الحرية في نطاق المسؤولية”.

ولعل وصية الملك لأسرة الإعلام عام 2002 حين قال: “فالحرية والمسؤولية هما عماد مهنتكم ومنبع شرفها. فعليكم رعاكم الله أن تمارسوها بكل إقدام وحكمة وموضوعية متحلين بفضيلتها الأولى المتمثلة في الروية وعمق التبصر”، أصبحت اليوم تُلزم مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي نظرا لما ذكرناه في التقديم من تقاطع هذه المنصات مع الإعلام في الأدوار والمهام.

1 – التواجد الفعال

إن أحد أهم معايير قياس قوة المشاريع المجتمعية، في عصرنا الراهن، هو ما يتوفر عليه من إمكانات وقدرات في ميدان الصحافة والإعلام، ثم حجم تواجده في الفضاء الافتراضي والمساحات التي يشغلها وعدد المتبعين المؤمنين به المتأثرين بإنتاجاته وأفكاره، و”لقد أصبحت الكلمة اليوم أكثر من أي وقت مضى بمثابة السلاح الذي يعتد به في المعارك كما غدت أعظم المعارك ضراوة تلك التي تخاض من أجل كسب رهان الرأي العام”، كما جاء في نص الرسالة الملكية إلى أسرة الإعلام.

ولقد أصبح لزاما على النخب اليوم أن تحرص على التواجد الفعال والمستمر في هذه الفضاءات، والانخراط الإيجابي في قضايا المجتمع وما يشغل الرأي العام، بل وأن تبادر إلى اقتراح القضايا التي يجب أن ينشغل بها الناس وتبدع في توجيه وتأطير الرأي العام لرفع منسوب الوعي وتعميم المعرفة والمعلومة الصحيحة ومواجهة الأفكار الميتة والقاتلة.

2 – النقد البناء سر الاستمرار

إن أي فاعل سياسي أو مجتمعي، لابد أن تربطه بإطاره التنظيمي علاقة عاطفية تدفعه دفعا إلى الدفاع عنه وإبراز مكامن قوته وتسويق إنجازاته، والتعريف بما يقدمه من خدمات للمجتمع عموما أو لفئات بعينها، غير أن المبالغة في المدح إلى حد “التطبيل” والدفاع عن الخطأ إلى “العزة بالإثم” يتحول إلى سلاح مضاد يفتك بحامله ويهدم عليه بيته.

إن أحد أهم عوامل الاستمرار في التأثير على الرأي العام وفي تأطير المجتمع، خصوصا بالنسبة للتنظيمات، هو الوفاء للمنهج والمبدأ المؤطر للمشروع المجتمعي الذي يعتمده التنظيم، وعدم الانزياح عنه مهما تغير الموقع السياسي بين أغلبية ومعارضة، وإن اقتضت الضرورة واستدعت الحاجة لابد أن تقول النخبة للمسؤولين “لا”، وأن ألا تحتكم سوى إلى بوصلة الحق والحقيقة والمبدأ المؤطر.

3 – التأكد والتحقق قبل النشر

يجب ألا تغطي ضرورات السبق والحضور الآني في شبكات التواصل الاجتماعي على ركائز: “التحقق قبل النشر” و”التأكد قبل المشاركة”، و”التبين والتثبت قبل الإساءة إلى قوم بجاهلة والندم بعدها”، فمادام التصحيح والتكذيب لا يجدي نفعا بعد نشر الكذب والتضليل والإشاعة وجبت الحيطة والحذر.

ولابد من استثمار بعض الأدوات المتاحة التي تساعد على التحقق من المعلومات والتأكد من الأخبار، كما يجب توريث مستعملي هذه الشبكات عادة عدم اعتماد سوى المصادر الموثوقة، والبحث عن المعلومة في مصدرها الأصلي قبل نشرها، وتطهيرهم من عادة “النسخ واللصق” الذي يخدم أجندات الآخرين.

* طالب باحث في العلوم السياسية بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس ومدير نشر جريدة “العمق المغربي”

Shortened URL
https://safircom.com/1bbq
سفيركم

Recent Posts

وزيرة إسبانية تعيد ملف الصحراء للتصعيد

أعادت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو، السبت بمدريد، خطاب “تقرير المصير” إلى واجهة الجدل…

4 دقائق ago

الرئيس السينغالي يشيد بالعفو الملكي: التفاتة تجسد الأخوة العريقة بين السنغال والمغرب

تفاعل الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي بشكل رسمي وإيجابي مع قرار الملك محمد السادس القاضي…

38 دقيقة ago

هيئات الصحافة تصعّد ضد قانون المجلس الوطني

رفضت الهيئات النقابية والمهنية لقطاع الصحافة والنشر مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس…

44 دقيقة ago

زيارة وقفة مؤونة للسجناء بعد ثاني أيام العيد

قررت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تمكين السجناء من زيارة عائلية واحدة، مع السماح…

ساعة واحدة ago

بعد عودتها من “أسطول الصمود”.. السعدية الولوس: إسرائيل عذبتنا داخل “حاويات بحرية”

عادت الناشطة الحقوقية المغربية السعدية الولوس إلى المغرب بعد أيام من الاحتجاز من قبل القوات…

ساعتين ago

فريق ليتواني يضم المغربي المالكي لحميدي

أعلن نادي “إف سي بي وان” الليتواني لكرة القدم تعاقده مع اللاعب المغربي إسماعيل المالكي…

ساعتين ago

This website uses cookies.