أكد سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المغرب يعيش تحولات سوسيو-رقمية عميقة غيرت طبيعة المجتمع ومنظومة القيم. معتبرا أن الانتقال من المجتمع الواقعي إلى المجتمع الرقمي أصبح انتقالا شاملا من “المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية”. وهو ما أفرز قيما جديدة، بعضها إيجابي يعزز التضامن والتعبئة المجتمعية. وبعضها الآخر يشكل تهديدا حقيقيا للقيم وللتنشئة الاجتماعية.
وأوضح بنيس، خلال مداخلة ألقاها في دورة تكوينية حول موضوع “تأثير خطاب شبكات التواصل الاجتماعي في منظومة القيم بالمغرب”. احتضنتها المدرسة العليا للأساتذة بالرباط يومه الأربعاء. أن فهم التحولات الرقمية يقتضي أولا وضعها في سياقها السوسيولوجي. مبرزا أن المجتمع المغربي انتقل من “مجتمع التواصل الواقعي إلى مجتمع الاتصال الرقمي”. ومن “المجتمع الواقعي إلى المجتمع الافتراضي”، قبل أن يصل إلى مرحلة “المواطنة الافتراضية”.
وأضاف أن هذا التحول أدى أيضا إلى الانتقال من الرابط الاجتماعي التقليدي إلى ما سماه في كتاباته بـ”تامغربيت الافتراضية”، أو “الرباط الافتراضي”. حيث يقضي الأفراد ساعات طويلة داخل الفضاء الرقمي، بما يشبه، حسب تعبيره، شكلا جديدا من “التصوف الرقمي”. الأمر الذي أنتج قيما جديدة، منها الإيجابي ومنها ما وصفه بـ”القيم السالبة”.
وأشار الباحث إلى أن عددا من الممارسات المنتشرة عبر شبكات التواصل أصبحت بمثابة “ممارسات معدية وقاتلة”. منتقدا الهوس بالمشاركة والتصوير والسعي الدائم وراء الظهور. معتبرا أن هذه “الأمراض الجديدة” تنتشر بسرعة داخل المجتمع الرقمي.
وشدد على أن القدوة أصبحت عاملا حاسما في التأثير على الشباب. معتبرا أن الأستاذ والمعلم والفاعل التربوي مطالبون بتقديم نموذج إيجابي. لأنهم يشكلون “البوصلة” التي يهتدي بها الجيل الجديد. محذرا من أن السلوكيات التي يقدمها أصحاب التأثير قد تتحول إلى مرجع للشباب.
وفي السياق ذاته، توقف بنيس عند خطر الأخبار الزائفة. واصفا إياها بـ”الأخبار السامة”. مستحضرا مثال الإشاعات التي راجت خلال شهر رمضان حول اختطاف الأطفال. معتبرا أن الغاية من هذا النوع من الأخبار ليست سوى إثبات الوجود وإثارة الانتباه داخل الفضاء الرقمي.
كما انتقد المحتويات التي تقوم على ما يعرف بـ”روتيني اليومي”. معتبرا أنها تعتمد في كثير من الأحيان على الإيحاءات الجنسية. واصفا إياها بأنها “إباحية جديدة”. محذرا من تأثيرها على الأطفال واليافعين الذين يتابعون هذا النوع من المحتوى بشكل يومي.
وأكد أن عددا من الدول انتقلت من مجرد الحديث عن حرية الولوج إلى المنصات الرقمية إلى اعتماد سياسات حمائية لحماية الأطفال. مستشهدا بعدة تجارب دولية حيث يتم تقييد استخدام المنصات الرقمية بالنسبة للقاصرين. بينما تعتمد الصين، حسب قوله، نموذجا مختلفا يجعل استخدام تطبيق “تيك توك” محدودا زمنيا وموجها نحو المحتوى التعليمي.
وسجل المتحدث أن المؤثرين والشخصيات الافتراضية أصبحوا يمثلون قدوات حقيقية بالنسبة لفئات واسعة من الشباب. داعيا إلى فهم هذه الظاهرة سوسيولوجيا بدل الاكتفاء بإدانتها. مؤكدا أن الإقبال الكبير على بعض الفنانين والمؤثرين يعكس تحولات اجتماعية وثقافية ينبغي دراستها ميدانياً.
وفي هذا الإطار، حذر بنيس مما سماه “الاحتباس القيمي”. معتبرا أنه يشبه في خطورته “الاحتباس الحراري”، لأنه “يرهن مستقبل القيم” لدى الأجيال الصاعدة. خاصة في ظل التأثير المتزايد للمحتويات الرقمية على الأطفال والشباب.
وأضاف أن الفضاء الافتراضي أفرز كذلك أشكالا جديدة من الوصم الاجتماعي. حيث انتقل المجتمع، حسب تعبيره، من “الوصم الواقعي إلى الوصم الافتراضي”. وهو ما أنتج تسميات وتصنيفات جديدة بين الشباب. معتبرا أن ذلك يعكس وجود “نشاز قيمي” داخل المجتمع الرقمي.
ورغم هذه الاختلالات، شدد أستاذ العلوم الاجتماعية على أن شبكات التواصل الاجتماعي أفرزت أيضا قيما إيجابية. مستشهدا بما أظهره المغاربة من تضامن خلال زلزال الحوز. وعودة قيم الأسرة ومكانة الأم إلى الواجهة، إضافة إلى بروز أشكال جديدة من التلاحم المجتمعي.
وأكد أن مفهوم “تامغربيت” يمثل وعاء هوياتيا يجمع القيم والتاريخ والحضارة المغربية. داعيا إلى جعله محورا أساسيا داخل المدرسة المغربية، من خلال التركيز على التربية على المواطنة والقيم. وليس الاكتفاء بالتعليم الأكاديمي. مستحضرا نماذج تعليمية في عدد من الدول الآسيوية التي تركز منذ السنوات الأولى على تكوين المواطن الصالح.
وشدد بنيس على أن نجاح أي مشروع تربوي رهين بوجود القدوة. قائلا إن من غير المقبول مطالبة الشباب بسلوك معين في الوقت الذي يقدم فيه الكبار ممارسات مناقضة لما يدعون إليه.
وتوقف أيضا عند الدور الذي تلعبه المنصات الرقمية في تعزيز التعبئة الجماعية. معتبرا أن الفضاء الافتراضي أصبح فضاء لإعادة تسييس الشباب. وإحياء قيم التضامن والتعبئة، سواء في حملات المقاطعة أو المبادرات المدنية أو الاحتجاجات. حيث أصبحت القيمة الأساسية لأي فعل جماعي تكمن في حضوره الرقمي بقدر حضوره الميداني.
ودعا بنيس إلى الاستثمار في “براندينغ المملكة المغربية” انطلاقا من القيم والرموز الوطنية والإنجازات الحضارية. وليس فقط من البنيات التحتية. مقترحا إحداث حقل أكاديمي جديد يحمل اسم “المروكولوجي” أو “علم المغربيات”. يعنى بدراسة التاريخ والحضارة والهوية المغربية وتسويقها عالميا.
واعتبر أن التقارير الدولية المتعلقة بصورة المغرب تؤكد أن التحدي لم يعد مرتبطا بالمنجزات المادية. من طرق سيارة أو ملاعب أو بنى تحتية. وإنما يرتبط أساسا بالحس المدني والسلوك المجتمعي. مؤكدا أن بناء صورة المغرب في المستقبل ينبغي أن يقوم أولا على ترسيخ منظومة القيم داخل المجتمع.
أظهرت الوضعية الخارجية الإجمالية للمغرب، إلى نهاية مارس 2026، تقلص صافي الرصيد المدين إلى 749,2…
ربط فوزي لقجع، الأربعاء بالرباط، النتائج التي يحققها المنتخب المغربي بالسياسة الرياضية التي قال إن…
وجهت مجموعة beIN MEDIA GROUP، عبر محاميها بهيئة الدار البيضاء، إنذارا قانونيا إلى جماعة أكادير…
يتجه حلف شمال الأطلسي إلى تعزيز حضوره في القطب الشمالي، وسط حديث أمينه العام مارك…
تتجه أنظار المهتمين بالشأن السياسي العام، خلال الأسابيع الأخيرة، من جديد نحو مستجدات تشكيل لجنة…
حسمت اللجنة المركزية لحزب النهج الديمقراطي العمالي موقفها من الاستحقاقات التشريعية المقبلة. بعدما صادقت بالإجماع…
This website uses cookies.