بقلم: عمر لبشيريت
في مشهد ثقافي يزداد احتياجًا إلى المبادرات الجادة، جاءت ليلة مسرح محمد الخامس بالرباط، يوم الجمعة 28 مارس، لتؤكد أن الرهان على الجودة والمهنية ليس مجازفة، بل استثمار في الممكن. لم يكن حفل توزيع “جوائز سفيركم” للدراما الرمضانية 2026 مجرد مناسبة فنية عابرة، بل لحظة دالة على قدرة المبادرات المستقلة على فرض حضورها بثقة.
لقد نجحت مؤسسة “سفيركم” الإعلامية، بروح فريقها الشاب وإمكانياتها الذاتية المحضة، في صياغة موعد سنوي أضحى اليوم علامة فارقة في المشهد الثقافي المغربي. هذا الموقع الصاعد، الذي آمن بقدرته على “صناعة الفرق”، استطاع تنظيم تظاهرة تضاهي كبريات المهرجانات، محققًا نجاحًا باهرًا لم ينتظر تمويلًا ضخمًا أو رعاية مؤسساتية كبرى، بل اعتمد على “رأس مال” من الشغف والاحترافية.
فريق صحافي وتقني شاب وطموح خاض تحدي هذه المبادرة الذاتية، تحت قيادة امرأة لا تكل ولا تمل، ولا تعرف للصعوبات عنوانًا، هي مديرة “سفيركم”، الزميلة والأستاذة ابتسام مشكور.
الحفل، الذي شهد حضورًا وازنًا لنجوم الشاشة المغربية من مخرجين وفنانين، حظي باستحسان منقطع النظير؛ إذ أجمع الحاضرون على أن “سفيركم” استطاعت أن تملأ فراغًا كبيرًا في تكريم العطاء الفني وتكريس ثقافة الاعتراف. ولم يقف صدى هذا النجاح عند جدران المسرح، بل تحول إلى “ترند” اجتاح منصات التواصل الاجتماعي، حيث احتفى الفنانون والمبدعون بجوائزهم، معتبرين إياها تتويجًا حقيقيًا نابعًا من منصة قريبة من نبض الجمهور.
ببساطة، أثبتت النسخة السادسة من جوائز “سفيركم” أن الإبداع لا يحتاج إلى ميزانيات فلكية بقدر ما يحتاج إلى رؤية صادقة وفريق يؤمن بأن “المستحيل ليس مغربيًا”، ليتحول هذا الموقع الشاب إلى سفير حقيقي للدراما الوطنية ومنارة تحتفي بنجومها كل عام.
ما يُدهش حقًا في هذا الحفل أنه لم يخرج من أروقة مؤسسات كبرى مدعومة بميزانيات ضخمة أو رعايات رسمية، بل خرج من موقع إعلامي شاب، صغير في عمره، كبير في طموحه. اعتمد “سفيركم” على إمكانياته الذاتية فقط، وعلى فريقه الشاب الصغير الذي لم يتجاوز عدد أصابعه، ومع ذلك استطاع أن ينظم حدثًا احترافيًا بكل المقاييس: تنظيم دقيق، حضور نوعي، تغطية إعلامية متكاملة، تكريم واحتفاء بأسماء أعطت الشيء الكثير للفن المغربي، وجوائز تعكس معايير فنية صادقة. لم يكن الحفل مجرد تكريم”، بل كان احتفاءً حقيقيًا بالإبداع المغربي.
لقد اشتغلت “سفيركم” بمنطق المبادرة لا الانتظار، وبروح الفريق لا الحسابات الضيقة، فحوّلت التحدي إلى فرصة، والإمكانيات الذاتية إلى قوة دافعة.
اليوم، أصبحت “جوائز سفيركم” عنوانًا للتميز، وعلامة مسجلة في سجل الدراما الرمضانية المغربية. وكم كان مفاجئًا لنا، غداة الحفل، ونحن نشاهد ذلك الاعتبار الكبير الذي تعامل به المتوجون وغير المتوجين مع “جوائز سفيركم”.
شهر كامل من العمل والتعب والعناء لفريق “سفيركم” الصغير، وهو موزع بين الإعداد للحفل والإشراف على الموقع الإخباري. كان التحدي كبيرًا، لكن الشغف والجدية اللذين يسكنان مديرة “سفيركم” تُوِّجا بحفل استثنائي.
لم تقف وراءنا رعاية رسمية ولا شراكات مع مؤسسات حكومية أو منتخبة، رغم استحقاقنا لذلك. حتى إن القطب التلفزيوني العمومي “تكرم” علينا بتغطية شاردة مهنيًا على القناة الأولى، التي استصغرت علينا حتى ذكر اسم مؤسستنا الإعلامية، وكأننا متعهدو حفلات. فيما غابت القناة الثانية والأمازيغية والثقافية. غاب الإعلام العمومي، مهنيًا وجسديًا، عن لحظة تتويج الدراما الرمضانية، رغم أنه راعيها ومنتجها الأول.
بالمقابل، دعمنا الفنانون بتشجيعهم وحضورهم، وتطوع معنا إعلاميون وفنانون بارزون لقيادة لجنة التحكيم.
في هذه المبادرة، من الطبيعي أن تكون هناك هفوات بسيطة، لكن ردود الفعل التي تلقيناها، والعتاب الذي وصلنا، والملاحظات التي وردت علينا، وحتى السرقات الصغيرة التي تعرضنا لها، أظهرت أن الجميع تعامل مع “جوائز سفيركم” بإكبار وتقدير.
هكذا، لم تعد “سفيركم” مجرد منصة إعلامية ناشئة، بل صارت عنوانًا لمبادرة تثبت أن الإعلام، حين تُعطى له الإمكانيات بعدل، ويبتعد عنه سماسرة الريع، ويحظى بمساحة واسعة من الحرية، ويُرفع عنه “التحكم”، سيلعب دوره الكامل في دعم الإبداع والانتصار للمهنية، ويمكنه أن يصنع الفارق.
قد تكون الجوائز رمزية، لكنها حملت في طياتها قيمة معنوية كبيرة، تجلت في تفاعل الفنانين واعتزازهم بها. وهو ما يمنح هذه التجربة أحد أهم عناصر استمراريتها.
هنيئًا لـ”سفيركم” بهذا الاستحسان الواسع الذي حظي به الحفل، وهنيئًا للدراما المغربية بعلامة شابة أصبحت فخرًا وطنيًا. وكل الشكر لكل من شجعنا ودعمنا وتطوع معنا وآمن بنا.
رمضان 2026 انتهى، لكن “جوائز سفيركم” تبدو وكأنها بدأت لتوها رحلة تثبيت مكانتها… موعد يتجدد، وطموح يكبر.
إلى رمضان 2027.

