أكد عبد اللطيف سودو، رئيس جمعية مهندسي العدالة والتنمية، أن السياسة المائية التي اعتمدها المغرب منذ عقود شكلت ركيزة أساسية في حماية البلاد من العطش والفيضانات، وساهمت في ضمان الأمن المائي، مبرزا أن هذه السياسة تطورت من منطق تعبئة الموارد إلى منطق التدبير الرشيد والاستشراف، في إطار رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز عمر الحكومات.
وأوضح سودو في تصريح خص به “سفيركم”، أن اختيار بناء السدود كان من القرارات الاستراتيجية الأولى التي تبناها الملك الراحل الحسن الثاني، انطلاقا من خصوصية المغرب كبلد لا يتوفر على أنهار عابرة للحدود، ما يفرض تعبئة كل المياه المتساقطة داخل التراب الوطني وتدبيرها، لافتا إلى أن الهدف الأول من إنجاز السدود الكبرى والمتوسطة والصغرى كان تعبئة الموارد المائية، إلى جانب حماية السكان من مخاطر الفيضانات التي كانت تتسبب في خسائر كبيرة، خاصة بمناطق مثل الغرب.
وأشار مهندس الدولة المتخصص في هندسة المياه، من المدرسة الحسنية للأشغال العمومية، إلى أن التغيرات المناخية وتراجع التساقطات المطرية أدت إلى انخفاض حصة الفرد من المياه وبلوغ المغرب مرحلة “الإجهاد المائي”، ما فرض الانتقال إلى سياسة مائية ثانية في عهد الملك محمد السادس، تقوم على حسن تدبير الموارد المتوفرة، وليس فقط على بناء السدود، مبرزا أن السدود، رغم أهميتها، لا تمتلئ دائما بسبب فترات الجفاف، ما يستوجب إدارة دقيقة وعقلانية للمخزون المائي.
وفي هذا السياق، شدد سودو على أن حسن الاستعمال يقوم على تحديد الأولويات، حيث تعطى الأسبقية لمياه الشرب، ثم لسقي الماشية، وبعدها للفلاحة، مؤكدا أن المغرب راكم خبرة هندسية مهمة في هذا المجال، مستحضرا تجربته الشخصية خلال فترة تكوينه بالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية وتداريبه بإدارة هندسة المياه، حيث عاين عن قرب طرق التدبير العقلاني للموارد المائية.
وسجل المتحدث أن حوالي 80 في المائة من المياه المستعملة في المغرب تذهب إلى القطاع الفلاحي، مبرزا وجود برامج للحد من ضياع المياه في هذا المجال، مشيرا في الوقت ذاته إلى التفاوت المجالي في توزيع الموارد، حيث تعرف بعض المناطق، خاصة في الشمال، وفرة مائية وامتلاء السدود بنسبة كبيرة، مقابل مناطق أخرى تعاني من قلة التساقطات.
وحول مدى كفاية السدود الحالية، أوضح سودو أن الإشكال لا يتعلق بعدد السدود فقط، بل بكيفية توزيع المياه بين المناطق، وأن الحل، حسب رأيه، يكمن في تحويل المياه بين الأحواض المائية، معتبرا أن تجربة تحويل المياه من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق شكلت نموذجا ناجحا، وساهمت في تأمين تزويد الرباط وسلا وتمارة والدار البيضاء بالماء.
وأضاف أن السياسة المائية انتقلت من منطق هندسة السدود إلى حسن الاستعمال، ثم إلى تقليص ضياع المياه، من خلال إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، كما هو الحال في سقي المساحات الخضراء بعدد من المدن، دون اللجوء إلى مياه الشرب.
وتطرق سودو إلى الجوانب التقنية لتدبير السدود، موضحا أن لكل سد مخارج أساسية، منها الخاصة بالتفريغ السفلي وتصريف الفيضانات، وأن الإدارة تلجأ أحيانا إلى تفريغ جزء من المياه استباقيا عند اقتراب السد من الامتلاء، استعدادا لاستقبال تساقطات جديدة.
وأكد أن هذا الإجراء يساهم أيضا في تقليص تراكم الأوحال داخل السدود، الناتجة عن نقل الأتربة والحجارة مع جريان المياه.
وردا على التساؤلات المتعلقة بترك المياه تتجه نحو البحر، شدد المتحدث على أن ذلك لا يتم إلا عند الضرورة وأنه لايتم تفريغ المياه إذا كانت هناك حاجة إليها، مشددا في الوقت ذاته على أن وصول جزء من المياه إلى البحر ضروري للحفاظ على التوازن البيئي والدورة المائية، لما تحمله من مواد معدنية وعضوية مفيدة للثروة السمكية والنظم البيئية.
وأكد سودو أن الأصل هو تعبئة المياه من أجل استعمالها، وإطلاق جزء منها لتغذية الفرشات المائية وخدمة الحقول الزراعية، مع ترك الفائض يصل إلى البحر، مشددا على أن اعتماد هذه المقاربة أنقذ المغرب في الوقت السابق.
وفي هذا الإطار، أشار إلى تجارب دولية، مثل ناميبيا التي تعتمد منذ سنة 1968 على إعادة استعمال المياه العادمة للشرب بسبب الضرورة، وكذا بعض المدن الأمريكية، موضحا أن المغرب، لم يضطر بعد إلى هذا الخيار، ويكتفي حاليا باستعمال المياه المعالجة في سقي المساحات الخضراء حفاظا على مياه الشرب.
وسلط سودو الضوء على المخطط المائي الوطني 2020-2050، الذي يرتكز على الاستمرار في بناء السدود، والحفاظ على المياه من التوحل، وتحويلها بين الأحواض، إلى جانب حسن التدبير.
وحذر من الاعتقاد السائد بأن توفر المياه في السدود يسمح بالاستهلاك المفرط، مذكرا بإمكانية تعاقب سنوات الجفاف، ومشيرا إلى أن تحلية مياه البحر، رغم أهميتها، لا يمكن الاعتماد عليها كحل وحيد بسبب كلفتها ومحدودية نطاقها الجغرافي.
وأكد رئيس رابطة مهندسي العدالة والتنمية أن التجربة المغربية في مجال هندسة المياه تجربة رائدة، تقوم على سياسات طويلة الأمد تتجاوز الحكومات، وتخضع لتتبع وتقييم مؤسساتي، من بينها المجلس الأعلى للماء ووكالات الأحواض المائية وشرطة الماء، داعيا إلى تسجيل المكتسبات بإيجابية، مع تقديم الملاحظات البناءة، وتعزيز التواصل مع المواطنين، باعتبار أن ملف الماء قضية وطنية واستراتيجية تهم البلاد ككل، وليس رهينة بولاية حكومة أو ظرفية سياسية.

