الرئيسي

عملة مغربية غير قابلة للصرف!

بقلم: ابتسام مشكور

خلال مباراة مساء أمس، لم تستوقفنا نتيجة المقابلة وحدها، وإن كانت قد حبست أنفاسنا. ما انكشف أننا لا نملك فريقا قويا ومتماسكا فحسب، بل نمتلك عملة “devise”، من نوع خاص غير قابلة للصرف، ولا يمكن تحويلها عبر البنوك أو تقييمها بأسعار الأورو أو الدولار.

ما رأيناه لم يكن عاديا: حب، وعرق، ودموع، وإصرار على انتزاع الفوز. رأينا رأسمالا بشريا “رهيبا” صدّره مغاربة العالم إلى وطنهم الأم: شبابا طموحا، بأخلاق وكفاءة عالية التكوين، قادرين على خوض أقسى المنافسات لأجل الوطن.

معظم من قاتلوا فوق العشب بملعب مولاي عبد الله، صد نيجيريا، لاعبون ومدرب، لم يولدوا في المغرب، ولم يدرسوا في مدارسه، ولم يتدرجوا في نواديه. مساراتهم الاحترافية تشكلت في منظومات أجنبية، ومدارسهم التقنية غير مغربية، ومدربوهم ليسوا أبناء البطولة الوطنية.

ومع ذلك، حين لبّوا نداء الوطن واختاروه، دافعوا عن الراية بروح من عاش داخل حدوده… وربما أكثر.

هذا الدرس الكروي يخلص إلى حقيقة واحدة: الوطن ليس رقعة جغرافية مرسومة من طنجة إلى الكويرة فقط، الوطن انتماء لجذور غرستها ورعتها وورثتها أسر هناك داخل بيوت الهجرة البعيدة عنه. تلك البيوت التي صانت “تمغربيت” كلغة وذاكرة وسردية.

ومن رحم أمهات كافحن لينجبن أبناء بررة بهن وبالوطن، ولدت هذه العملة الحقيقية التي أغنت البلد دون أن تمر عبر أي بنك.

رصيدنا لم ينفذ! لدينا مغاربة لا يقلّون تكوينا ولا التزاما، بل ربما يفوقون في بعض المجالات ما نحتفي به في المستطيل الأخضر: مستثمرون يفهمون نبض الأسواق العالمية، أطباء راكموا الخبرة داخل منظومات صحية دقيقة، أساتذة جامعيون في مؤسسات من الصف الأول، ومهندسون يقودون مشاريع تكنولوجية معقدة.

وهؤلاء، مثل أولئك، عملة صعبة إن لم أقل نادرة، يحملون رغبة صادقة في تنمية البلد ويغارون على مستقبله. لا تنقصهم الوطنية، بقدر ما يحتاجون إلى إرادة حقيقية و”تيران مناسب”، يسمح لهم بالعمل والعطاء مثل مواطنيهم داخل المغرب، بعيدا عن البيروقراطية السخيفة وتعقيدات “الدبخشي” المخيفة.

ما نحصده اليوم هو نتيجة رؤية ملكية أطلقت سنة 2007 بهدوء، راهن فيها ملك البلاد على الريادة والتقدم في المجال الكروي دون استعجال الثمار. لم يكن الرهان على موسم ولا على جيل واحد، بل على مسار طويل لم تكن نتائجه مضمونة ولا قريبة حتى.. لكن بعد عقدين من الزمن، تبين أن الاختيار كان صائبا، وأن المستحيل ليس مغربيا، وها هو الوطن يقطف ثماره.

هذه معركة وربحناها، وورش وبنيناه بالصبر، وأثبتنا من خلاله أن المغرب بلد قادر وغني بأبنائه. يبقى السؤال الذي لا مفر منه ولا عنه: ماذا عن الباقي؟

هل نملك الشجاعة لنفعل الشيء نفسه في مجالات أخرى؟ كم نحتاج من الوقت لنحقق التقدم ذاته في التعليم، والصحة، والاقتصاد، وباقي الأوراش الحيوية التي تئن؟ قد تكون الإجابة: عقودا، نعم. لكن التجربة علمتنا أن التأخر ليس المشكلة، المشكلة الحقيقية هي ألا نبدأ.

وسنصل، لأن عملتنا هي الإنسان.

Shortened URL
https://safircom.com/l4jj
ابتسام مشكور

Recent Posts

اشتراط الماستر من أجل اجتياز امتحان المحاماة يضع نواب الأمة تحت الضغط

يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…

15 دقيقة ago

كفاءات مغربية لمواجهة تحديات إفريقيا.. “منتدى المعادن” بالرباط يفتح آفاق التشغيل والسيادة الطاقية

احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…

50 دقيقة ago

وهبي يستشهد بالقرآن في معركة المحاماة: سمعت كلاما وصل حد الإهانة وسأحمي المهنة لا الأشخاص

في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…

ساعتين ago

بعد تداول فرضيات جديدة.. رئيس معهد الجيوفيزياء: زلزال الحوز طبيعي 100%

عاد الجدل مجددا على منصات التواصل الاجتماعي، حول أسباب زلزال الحوز. بعدما تداول بعض النشطاء…

ساعتين ago

العزوف عن الزواج.. بنزاكور: غياب التأهيل النفسي يفاقم حالات الطلاق بالمغرب

حذر محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، من دخول المغرب مرحلة ديموغرافية حرجة تتسم بتراجع…

3 ساعات ago

الوصية بانتقال إذن التربية بين الإحكام وبين الاشتباه

بقلم: د. سعيد بيهي توالت محاولات التهوين - المؤسسة على الاِشْتِبَاهِ - مِن شأن "الوصية…

3 ساعات ago

This website uses cookies.