بقلم: ابتسام مشكور
في غزة، لا يُقتل الناس دفعة واحدة، ذلك ترف لا يليق بهم.
بل يؤخذون واحدا واحدا، روحا روحا، طفلا طفلا…
يتذوقون الموت بصمت، بتآكل بطيء، بلا ضوضاء، بلا بكاء يليق بوداعهم.
أدعوكم إلى مشاهدة فيلم رعب “والله باباه ترامب ما عنده فهوليود”، حيث تنهار صحفية من الجوع قبل أن تنهي جملتها الأخيرة على الهواء مباشرة، ويودع شيخ الحياة بينما كان يمد يده إلى لقمة صغيرة، لكن يد المنون كانت أرحم، تلقفته قبلها لتودعه لدى رب كريم.
مشاهد لا تجدها حتى في أفلام الرعب ومسلسلات الهولوكوست القديم.
الفرق أن هذا الفيلم الغزي… حقيقي جدا،
والكومبارس فيه 2.3 مليون إنسان.
أما البطولة،
فلهتلر زمانه، نتنياهو طبعا، رئيس حكومة دولة “الأخلاق النووية” والجيش “الأكثر طهارة”، الذي لا يقتل المدنيين، فقط يجوعهم خيمة خيمة، دار دار، زنقة زنقة، إن بقيت في غزة أزقة بعد أن سواها نتنياهو بالأرض، وجعل مساحتها البالغة 360 كلم مربع بقعة موت غير صالحة للعيش.
أن تكون غزيا في 2025 يعني أن جهاز المناعة عندك يعمل ضدك.
أن تعتاد الجوع كما تعتاد التنفس.
أن تسمع قرقرة معدتك وتقول لها غرغري أو لا تغرغري، فلن تأكلي حتى يصحو الضمير الإنساني والعربي والإسلامي.
أن تفكر في الخبز كما يفكر آخرون في الحب… مستحيل ومؤلم.
في غزة، كل شيء صار محاصرا.
الأمعاء تنتظر تصريحا للهضم “الحكرة”.
والماء حلم يتطلب واسطة.
أما الكرامة فقد خرجت من المعادلة.
في أكتوبر 2023، وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قال حرفيا:
“نقاتل بشرا هم حيوانات بشرية وسنتعامل معهم على هذا الأساس”.
ترى، ما رأيه وهي تقف اليوم بأناقة أمام الموت؟
لا تنهش، لا تعوي، بل تموت بأدب عال.
الطفل الإسرائيلي يذهب إلى مدرسته تحت حماية القبة الحديدية، يحمل حقيبته وفيها “ساندويتش”، وشوكولاتة، وربما أمنية بأن يصبح طيارا.
أما الطفل الغزي، فمدرسته ركام، وحقيبته من خيش، وإن وجدت فيها قطعة خبز يابسة، فهي كنز لا يقدر بثمن.
وعن الأحلام، يكفيه أن ينام بلا كوابيس، ولا يزوره “الطيار” الذي يحلم في الضفة الأخرى.
الفارق بين الاثنين ليس فقط في “الفرص”، بل في الاعتراف بالحق في الحياة.
أحدهما مولود في دولة مدعومة بكل آلات القتل والتجميل السياسي.
والآخر مولود في معسكر تجرب عليه البشرية أسوأ ما فيها: الحصار، التجويع، النفاق، والخذلان الدولي المنهجي.
الأنظمة العربية الشقيقة،
مشغولة هذه الأيام بالتنديد الباهت.
الأمم متحدة… على الصمت.
والعالم المتحضر،
يتابع بفضول من يحب مشاهدة الدراما الواقعية، ثم يغير المحطة على “نيتفليكس”.
فرنسا حزينة على مراسليها في غزة،
وأمريكا “قلقة للغاية” من الوضع الإنساني،
وبريطانيا ترفع حاجبيها بأسى،
لكن لا أحد يرسل طعاما، لا أحد يفرض ممرا، لا أحد يملك شجاعة القول: هذا تجويع متعمد، وهذه إبادة صامتة.
تخيلوا، وصلنا إلى لحظة أصبح فيها “الخبز بالفيتو”.
في عدة جلسات لمجلس الأمن بين أكتوبر 2023 وأبريل 2024، استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو لمنع قرارات بوقف إطلاق النار أو فرض ممرات إنسانية فورية.
نعم، نحتاج قرارا من مجلس الأمن كي يسمح لرضيع فلسطيني أن يشرب الحليب، أو أن يحصل مسن على كسرة خبز.
لكن لا تقلقوا، هناك دائما فيتو جاهز… لمن يتضامن ويقول “اللهم إن هذا لمنكر”.
يقال إن الجوع لا دين له، لا سياسة له.
لكن في غزة، الجوع يسيس، ويخطط له، ويهندس بدقة، ليكون القتل أقل تكلفة، وأكثر قذارة.
“نحن من لا دين لهم”.
الأمعاء لا تفهم لغة البيانات، ولا التنديدات.
الموت جوعا أسوأ من القتل… إنه تعذيب.
غزة اليوم لا تطلب المستحيل، بل الحد الأدنى من إنسانيتنا: أن نرى، أن نقول، أن نصرخ، أن نمد يد المساعدة ولا نتعود على المهانة.
غزة ليست اختبارا للسياسة، بل امتحانا للضمير.
والتاريخ لا ينسى، ومن يعش سيحكي عن الظلم والوجع والتفقير.
سيذكر من الذي أكل حتى انتفخت أمعاؤه… ومن الذي جاع حتى بلع صوته.
غزة تموت، لكنها ستكتب وصيتها الجماعية على حائط العار:
“هنا دفنا ما تبقى من إنسانيتكم”.
يضع اشتراط شهادة الماستر، أمام طلبة القانون، لاجتياز امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة…
احتضنت المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، يوم الأربعاء، انطلاق فعاليات الدورة 26 لـ "منتدى مقاولات…
في جلسة برلمانية ساخنة طبعها التوتر المشوب بالهدوء الحذر، دافع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي،…
عاد الجدل مجددا على منصات التواصل الاجتماعي، حول أسباب زلزال الحوز. بعدما تداول بعض النشطاء…
حذر محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، من دخول المغرب مرحلة ديموغرافية حرجة تتسم بتراجع…
بقلم: د. سعيد بيهي توالت محاولات التهوين - المؤسسة على الاِشْتِبَاهِ - مِن شأن "الوصية…
This website uses cookies.