في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، بات الذكاء الترابي ركيزة أساسية لتعزيز التنمية المحلية وتحقيق الجهوية المتقدمة، من خلال توظيف التقنيات الحديثة والبيانات الذكية لدعم اتخاذ القرار الترابي. لكن ما هو الذكاء الترابي؟ وكيف يمكن أن يسهم في تحسين الحكامة المحلية؟ وما هي التحديات التي تواجه تطبيقه على أرض الواقع؟
في هذا الحوار، نستضيف الخبير في الذكاء الترابي، أنوار قورية، ليقربنا أكثر من هذا المفهوم ودوره في دعم التنمية الجهوية، بالإضافة إلى الإشكالات التي تعيق اعتماده بفعالية في تدبير الشأن المحلي.
ما هو الذكاء الترابي؟
يشكل الذكاء الترابي في السياق المغربي، جنسا من أجناس المدن الذكية والمستدامة والذي يستلزم بدوره الاعتماد على الحكامة الترابية الذكية والنجاعة الطاقية الذكية والاقتصاد الرقمي الذكي، وأيضا المواطن الذكي على اعتباره الركيزة الأساسية لنجاح كل ما سبق.
وكمفهوم ومصطلح، يمكننا تفسيره على أنه نهج تكنولوجي يعتمد بدرجة أولى على تقنيات تجميع البيانات سواء كانت مكانية أو جيومكانية في إطار مخطط جيوحكامة، التي يمكن أن تكون اجتماعية أو اقتصادية ومن خلاله يتم تحليل البيانات عن طريق مجموعة من البرامج وأدوات الذكاء الاصطناعي بهدف تحسين صنع القرار واتخاذ القرار في الزمن الواقعي على مستوى ترابي معين
دور الذكاء الترابي في دعم الجهوية المتقدمة:
بالمغرب لا يمكن لهذا المفهوم أن تكون له ترجمة إلا بالاستخدام الذكي والناعم للتكنولوجيا، لدعم الجهوية المتقدمة يجب دعم التوجه لتعزيز الفهم الدقيق لخصوصية الجهة عبر الاشتغال على الاستقراءات الجهوية من خلال التحديات البيئية والفوارق المجالية والموارد المحلية سواء كانت موارد مرتبطة بالجبايات المالية أو غير ذلك، بالإضافة إلى توجيه السياسات العمومية نحو هذه الخصوصيات، وهناك عدة أمثلة أذكر من بينها منصات مراقبة المشاريع، المنصات الذكية لمراقبة جودة المياة بالمناطق القروية، تقنيات مرتبطة ب انترنيت الأشياء لأننا أصبحنا في عالم متصل وبالتالي جميع الأشياء هي متصلة بالانترنيت، بحيث يمكن أن يكون هذا الشيئ عبارة عن نظام للاستشعار القبلي، خرائط التخطيط الحضري الذكي وغير ذلك.
فيما يتعلق بعلاقة الذكاء الترابي بالجهوية المتقدمة، ربما الجهوية المتقدمة تعزز اللامركزية، لهذا أكد جلالة الملك خلال المناظرة الثانية للجهوية المتقدمة عن تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري عبر نقل الصلاحيات من المركز إلى الجهات، والذكاء الترابي يمكننا اعتباره بمثابة دينامو محفز لإنجاح هذه العملية، من خلال توفير البيانات الدقيقة لصناع القرار الترابيين المحليين، بما فيها مؤشرات الفقر والهشاشة والاستقراءات والتشخيصات المرتبطة بالبنى التحتية وغير ذلك.
يمكننا الحديث في هذا الباب أيضا عن تعزيز المشاركة المواطنة عبر المنصات الرقمية حيث توجد مجموعة من التطبيقات التي تضمنها القانون 55-19 لكن هذا لا يمنع من الاجتهاد محليا وجهويا على مستوى إحداث بعض التطبيقات الذكية، وقد سبق وأنشأت سنة 2015 تطبيقا أسميته مساءلة الذي يشتغل بخاصية تحديد المواقع لضبط الاختلالات الترابية والمجالية، وإرسالها مباشرة للمصالح الخارجية المختصة بهدف إعادة الأمور لنصابها وإصلاح الوضع.
هل الفاعل السياسي مدرك لأهمية الذكاء الترابي؟
نعم، يوجد وعي سواء على المستوى الوطني أو المحلي، هناك إدماج لهذه المفاهيم والاستراتيجيات المندمجة للذكاء الترابي والتحول الرقمي في استراتيجية المغرب الرقمي 2030 وأيضا على مستوى النموذج التنموي الجديد، بالباب المتعلق بالرقميات، بالإضافة للمبادرات الكثيرة التي أطلقتها المديرية العامة للجماعات الترابية بوزارة الداخلية، والتي تسعى بدورها إلى توفير مؤشرات ترابية لتحسين التدبير المندمج فيما يتعلق بالمصالح الخارجية للجماعات الترابية وجميع المؤسسات المندرجة في إطار منظومة التدبير الترابي والإداري.
ماهي التحديات التي تواجه الذكاء الترابي؟
هناك مجموعة من التحديات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية بمجموعة من المناطق، بالإضافة إلى ندرة الكفاءات الرقمية خاصة في مجالات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وانترنيت الأشياء، لهذا يجب تعزيز الشراكات مع الجامعات الخاصة والعمومية، ومختبرات البحث العلمي بشكل خاص فعندما نتحدث مثلا عن جامعة محمد السادس البوليتيكنيك ببنكرير، فإننا نتحدث عن زخم من المعطيات والبيانات التي يمكننا توظيفها لبناء قدرات موظفي الجماعات الترابية والمصالح الخارجية اللاممركزة لخدمة الذكاء الترابي على الصعيد الجهوي.