أعمدة رأي

كرة القدم: من لعبة جماهيرية إلى هوية مغلقة

بقلم: الهواري غباري

في ظل الإخفاقات المستدامة في مجالات الصحة والتعليم والتنمية، تتقدم كرة القدم في كثير من المجتمعات المتخلفة بوصفها متنفسًا جماعيًا ومصدرًا شبه وحيد للأمل والفخر. فهي، بخلاف الوعود السياسية أو مشاريع التنمية التي يبقى أثرها مؤجلًا أو يصعب قياسه، تمنح الجماهير انتصارًا فوريًا وملموسًا يُحسم في تسعين دقيقة، ويستطيع الجميع رؤيته وقياسه دون تأويل. والأهم أن هذا الانتصار الجماعي لا يبقى مجرد فوز رياضي، بل يتحول إلى انتصار شخصي يعيشه كل مشجع وكأنه حققه بنفسه، تمامًا كما تتحول الهزيمة إلى إحساس فردي بالانكسار. ولعل حالات الوفاة التي ترافق أحيانًا مشاهدة المباريات، أو أعمال العنف داخل الملاعب وخارجها، وما يصاحبها من هستيريا في التشجيع، ليست سوى مؤشرات على ذلك.

بل إن الأمر يتجاوز هذا الحد لدى كثيرين، إذ تتحول كرة القدم إلى هوية جماعية تمنح الأفراد شعورًا عميقًا بالانتماء والمتعة، وهو شعور تعجز عن توفيره كثير من الرهانات الفردية والجماعية، كما تعجز عن توفيره الخطابات السياسية والثقافية التي فقدت قدرتها على إلهام الناس أو تحقيق إنجازات ملموسة في حياتهم اليومية.

غير أن هذه الهوية الكروية تختلف عن الهويات التقليدية المرتبطة باللغة أو الثقافة أو الدين أو العرق. فهي لا تقوم على ذاكرة مشتركة أو منظومة قيم ثابتة، بل تتأسس بطبيعتها على ثنائيات حادة: التفوق والانحدار، والانتصار والهزيمة، و”نحن” في مواجهة “هم”. لذلك تتسم بدرجة عالية من الانفعال والتقلب؛ إذ ترتفع مع الفوز، وتنهار مع الخسارة، وتعيد باستمرار رسم حدود الانتماء والولاء.

ومع تصاعد هذا النمط من الانتماء، لم تعد كرة القدم مجرد رياضة أو وسيلة للترفيه، بل تحولت لدى بعض الفئات إلى هوية تتعالى على الانتماءات الأيديولوجية والسياسية والثقافية. ويكفي أن نلاحظ بعض الخطابات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يردد البعض عبارات من قبيل: “المغرب لا يمثل العرب ولا الأفارقة، بل يمثل نفسه فقط”. وهي عبارات تكشف أن الهوية الكروية أصبحت، بالنسبة إلى أصحابها، المرجعية الأولى التي يُعاد من خلالها تعريف الذات والعلاقة بالآخر، متجاوزة في كثير من الأحيان دوائر الانتماء التاريخية والثقافية والجغرافية.

ولعل ردود الفعل التي صدرت عن بعض رموز التيار السلفي تجاه ما وصفوه بالمبالغة في الاهتمام بكرة القدم على حساب الصلاة وذكر الله وصلاة الفجر، لا يمكن فهمها فقط باعتبارها دفاعًا عن القيم الدينية، بل أيضًا في سياق تنافس بين هويات مغلقة تسعى كل واحدة منها إلى احتكار ولاء الأفراد. فكما تطالب الهوية الدينية المنغلقة بأن تكون المرجعية الأولى في حياة الإنسان، بدأت الهوية الكروية تطالب، بصورة غير معلنة، بالمكانة نفسها، مستحوذة على الوقت والعاطفة والرموز والولاءات. ومن هنا لا يبدو الصراع مجرد خلاف حول مباراة أو ممارسة ترفيهية، بقدر ما هو صراع على المجال الرمزي، وعلى من يمتلك القدرة الأكبر على تعبئة الجماهير وصياغة انتماءاتهم.

كما بدأ الانتماء الوطني يُختزل، لدى البعض، في طريقة التعاطي مع نتائج المنتخب الوطني وإنجازاته، بل وفي مدى الاصطفاف خلف السياسات العمومية في المجال الكروي. فأصبح أي نقد لخيارات الدولة في تدبير كرة القدم، أو أي تشكيك في برامجها، يُنظر إليه أحيانًا باعتباره مساسًا بالوطن أو خيانة للهوية الوطنية، بدل اعتباره نقاشًا مشروعًا حول السياسات العمومية. وهنا تنتقل كرة القدم من فضاء المنافسة الرياضية إلى فضاء الولاء السياسي والرمزي.

وقد لاحظنا كيف جرى تأويل بعض انتقادات مدربي المنتخبات المنافسة خلال كأس إفريقيا التي نُظمت بالمغرب سنة 2025 باعتبارها محاولة لنسف التظاهرة، وأن المغرب يتعرض لمؤامرة، وأنه مستهدف بسبب نجاحه. وقد تولى الدفاع عن هذا الطرح، إلى جانب بعض الصحفيين المحسوبين على الدولة، عدد من المؤثرين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت فكرة تعرض المغرب لمؤامرة سردية شبه جماعية، تُتداول كما لو أنها حقيقة محسومة، دون مساحة كافية للنقاش أو للتمييز بين النقد الرياضي الطبيعي والاستهداف المتعمد.

هذا التحول يحمل في طياته مخاطر حقيقية، لأنه يدفع الهوية الكروية إلى الانزلاق نحو ما سماه أمين معلوف بـ”الهويات القاتلة”. فحين تختزل هوية الفرد أو الجماعة في انتماء واحد، وتُمنح هذه الهوية مكانة مطلقة تتقدم على سائر الانتماءات، تصبح أكثر قابلية لإنتاج التعصب والشوفينية والكراهية. وبدل أن تكون كرة القدم مناسبة للتنافس الشريف والتعارف بين الشعوب والاحتفاء بالتنوع، قد تتحول إلى أداة لإقصاء الآخر وشيطنته وقياس قيمة الأفراد والأمم بمنطق الفوز والخسارة وحدهما. وهو ما بدأنا نشهده، ولم يعد يقتصر على بعض الجمهور العاشق لكرة القدم، بل امتد إلى نخب السياسة والثقافة والفن، حيث وقعت أسماء معروفة في مستنقع الشوفينية، وصارت تنشر أفكارًا عدائية مشبعة بالكراهية والنزعات الفاشية.

وهذا الوضع، بطبيعة الحال، تستغله الأنظمة في المجتمعات المأزومة، كما تستثمره بعض النخب لتحقيق مكاسب سياسية أو رمزية، ويستغله أيضًا صناع المحتوى وتجار المنصات الرقمية الذين تقوم نماذج أعمالهم على اقتصاد الانتباه. فكلما ارتفع منسوب الاستقطاب والتعصب والكراهية، ارتفع معه التفاعل، وزادت المشاهدات والإعلانات والأرباح. وفي المقابل، لا تحقق الموضوعات المرتبطة بالفكر والثقافة وإنتاج المعنى الجاذبية نفسها، لأنها تتطلب التأمل والصبر، بينما تغذي الإثارة والانفعال استجابات نفسية فورية تمنح المستخدم جرعات متكررة من المتعة اللحظية، وهو ما يجعل المحتوى الصدامي أكثر قابلية للانتشار من المحتوى العقلاني.

والأخطر أن هذه العملية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تعمل وفق منطق كرة الثلج. فكل موجة من التعصب تولد موجة أكبر منها، وكل انتصار رياضي يتحول إلى مادة جديدة لإنتاج الاستقطاب، ثم يعاد تضخيمها عبر الخوارزميات التي تكافئ المحتوى الأكثر إثارة للانفعال. ومع مرور الوقت، يصبح الجمهور أكثر قابلية لاستهلاك هذا النوع من الخطاب، ويصبح المنتجون أكثر ميلًا إلى صناعته لأنه الأكثر ربحًا وانتشارًا. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة يتغذى فيها التعصب على المنصات، وتتغذى المنصات على التعصب، بينما تتراجع تدريجيًا قيم الحوار والنقد العقلاني والروح الرياضية.

وإذا استمرت هذه الدينامية دون وعي أو مساءلة، فإنها مرشحة لأن تتفاقم، فتزداد الهوية الكروية انغلاقًا وتطرفًا، ويتحول التنافس الرياضي، أكثر فأكثر، إلى ساحة للاستقطاب والعداء، بدل أن يبقى مجالًا للتقارب الإنساني والاحتفاء بالاختلاف.

وتصبح الهموم الحقيقية، من قبيل الانتقال الديمقراطي، وتحقيق التنمية، ومحاربة الفقر والتخلف، قضايا ثانوية أمام طغيان الخطاب الكروي ذي النزعة الديكتاتورية؛ إذ تتقدم المتعة الآنية والانتصارات الرمزية على حساب الرهانات الكبرى المرتبطة بمستقبل المجتمعات. ويصبح بلوغ نصف نهائي كأس العالم تعويضًا عن المراتب غير المشرفة التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية والتعليم والصحة. فبدل أن تكون كرة القدم جزءًا من منظومة ثقافية واجتماعية متوازنة، قد تتحول، بفعل الاستغلال السياسي خصوصًا، إلى وسيلة للهروب من الأسئلة العميقة وتأجيل مواجهة الاختلالات الحقيقية، حيث يصبح الاحتفال بالإنجاز الرياضي تعويضًا نفسيًا عن غياب الإنجازات في المجالات الأخرى، ويُستبدل الفعل الجماعي الهادف إلى تغيير الواقع بالاستهلاك العاطفي لانتصارات مؤقتة.

Shortened URL
https://safircom.com/ekw6
سفيركم

Recent Posts

تعاونيات تازة تستفيد من 9.5 ملايين درهم

عبأت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أكثر من 9.5 ملايين درهم لفائدة 46 تعاونية بإقليم تازة،…

ساعتين ago

بنمبارك: الانضباط للأغلبية لا يمنع المطالبة بتجويد القوانين والعلمي قام بما لم يقم به رئيس المستشارين

اعتبر سعد بنمبارك، عضو فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب. أن إحالة مشروع القانون المنظم…

ساعتين ago

عبد الحق شفيق يقاضي سمير شوقي مرشح “البيجيدي” والاثنين يختاران “الصمت”

علمت "سفيركم"، وفق مصادر متطابقة، أن شفيق عبد الحق، النائب البرلماني، عن حزب الأصالة والمعاصرة.…

3 ساعات ago

الصغيري: القضاء الدستوري سيقف عند “مكامن الخلل” في قانون وهبي

قبل أن يصل مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة إلى مرحلة النشر. فتح قرار رئيس مجلس…

3 ساعات ago

وزارة التربية: تصريحات برادة المتداولة حول عدم تمثيل المغرب لإفريقيا مفبركة

نفت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشكل قاطع صحة التصريحات المتداولة والمنسوبة إلى الوزير…

3 ساعات ago

ترامب يأمر بوقف التجارة مع إسبانيا ويشعل الناتو

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب توترا جديدا داخل حلف شمال الأطلسي، بعدما قال إنه أمر…

4 ساعات ago

This website uses cookies.