أعمدة رأي

كفى من البؤس السياسي

بقلم: أشرف بولمقوس

ثمة شيء يبعث على القلق أكثر من الأزمة الاجتماعية أو الاقتصادية ذاتها، وهو الطريقة التي تُدار بها السياسة في المغرب اليوم. لسنا أمام اختلاف طبيعي في البرامج أو تضارب مشروع بين رؤى متنافسة، بل أمام حالة يمكن وصفها دون مبالغة بـ البؤس السياسي؛ بؤس في الخطاب، وبؤس في الممارسة، وبؤس في مستوى الذكاء الذي يُفترض أن يُخاطَب به المواطن المغربي.

من حق كل الفاعلين السياسيين، أحزابًا وأفرادًا، أن يمارسوا حملة انتخابية حتى وإن كانت سابقة لأوانها. السياسة بطبيعتها صراع على التمثيل، والانتخابات ليست يوم الاقتراع فقط بل مسار طويل من بناء الصورة وكسب الثقة. لكن ذلك مشروط، على الأقل، بثلاثة شروط أساسية.

أولًا، احترام الحد الأدنى من الأخلاق السياسية. لا يمكن القبول بأن يتحول الفضاء العمومي إلى مساحة للكذب المباشر، أو التدليس المقصود، أو صناعة روايات مفبركة هدفها الوحيد تضليل الرأي العام. الخلاف السياسي مشروع، لكن الاحتيال على الوعي الجماعي ليس كذلك.

ثانيًا، احترام ذكاء المغاربة. المواطن المغربي اليوم ليس ذلك المتلقي السلبي الذي يمكن إقناعه بخطاب إنشائي فارغ أو بشعارات مستهلكة. لقد راكم المجتمع خبرة سياسية، وارتفعت قدرته على التمييز بين الصدق والتسويق، بين الفعل والتمثيل، وبين من يتحمل المسؤولية ومن يحاول التنصل منها.

ثالثًا، الكف عن ممارسة السياسة بأساليب بئيسة لم تعد تناسب مغرب اليوم؛ مغرب جيل جديد، أو ما يمكن تسميته بمغرب جيل Z. هذا الجيل لا يستهويه الخطاب الشعبوي القديم، ولا تنطلي عليه بسهولة تقنيات التجييش التقليدية، ولا يقبل أن يُخاطَب بعقلية الوصاية أو الاستغباء.

وهنا تتجلى المفارقة الأكثر إثارة للاستغراب: بعض الأمناء العامين للأحزاب، خصوصًا من الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، يتحدثون اليوم بلغة المعارضة وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من السلطة التنفيذية. هؤلاء أنفسهم حاضرون، بشكل مباشر أو غير مباشر، في كل الملفات التي تثقل كاهل المواطن المغربي: من ارتفاع الأسعار، إلى تضارب المصالح، إلى تعثر الوعود الاجتماعية، إلى تآكل الثقة السياسية.

لكن فجأة، ودون حرج، اقتحموا مؤسسة المعارضة. لا باعتبارهم معارضة مؤسساتية حقيقية، بل باعتبارهم مستثمرين في قاموس المعارضة الشعبية. سرقوا مفرداتها، واستعاروا غضبها، ثم أعادوا تدويره انتخابيًا في صورة هجينة ومربكة. صار المسؤول يتحدث بلسان المتضرر، وصار الفاعل في الأزمة يقدم نفسه ضحية لها.

هكذا عادت إلى الواجهة تعبيرات من قبيل “الفراقشية”، و“ثقافة الهمزة”، وغيرها من المفردات التي قد تحقق رواجًا شعبويًا، لكنها لا تنتج سياسة، ولا تبني وعيًا، ولا تؤسس لنقاش عمومي راقٍ.

قد يكون بعض هؤلاء الأمناء العامين أصحاب كفاءات علمية أو خبرات إدارية محترمة، لكن الكفاءة التقنية شيء، ومستوى الخطاب السياسي شيء آخر. فامتلاك الشهادات أو الخبرة التدبيرية لا يعفي من مسؤولية الانحدار الخطابي حين يصبح الخطاب نفسه مبتذلًا وفقيرًا.

والحقيقة أن توصيف هذا الخطاب لا يحتاج إلى متخصص في تحليل الخطاب السياسي، ولا إلى أكاديمي في علوم التواصل. يكفي الإنصات إليه بعين المواطن العادي. فالمواطن البسيط نفسه بات قادرًا على التقاط هشاشته، ويشعر تجاهه—في كثير من الأحيان—بقدر من النفور يصل إلى حد القرف السياسي.

الانتخابات المقبلة تبدو، إلى حد بعيد، أول انتخابات بهذا الكم من الركود السياسي. ثمة فراغ واضح في البدائل، وندرة في الاختيارات العقلانية القادرة على إقناع فئات واسعة من المجتمع. ليس لأن الساحة خالية من الفاعلين، بل لأن الضجيج أكبر من المعنى، والصراع على الصورة أقوى من الصراع على المشروع.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص؛ لقد استُهلك التشخيص حتى صار بديلًا عن الفعل. لا نحتاج إلى خطابات تشرح لنا الأزمة، بل إلى مشروع سياسي واضح، مشروع يمتلك رؤية، ويملك أيضًا الحد الأدنى من الانسجام الأخلاقي مع ما يدعو إليه.

المعضلة أن من قد يمتلك مشروعًا سياسيًا قابلًا للنقاش قد يكون غارقًا في أزمات داخلية، وفي أعطاب تنظيمية وتواصلية، وفي ضعف الحاضنة الشعبية. وفي المقابل، فإن أهل البؤس السياسي يمتلكون آلات انتخابية فعالة، مهما قيل عن ارتباطها بالمال أو برجال الأعمال أو بشبكات المصالح.

يمكننا أن نرفع سقف النقاش نحو المطالبة بإصلاح دستوري جديد، لكن عمق الإشكال لا يبدو هناك. فالمشكل لم يكن يومًا فقط في النصوص. والدليل واضح منذ الاستفتاء الدستوري المغربي 2011: دستور بإمكانات مؤسساتية أوسع، لكن بتفعيل محدود ومتواضع، لأن النص مهما بلغ من الجودة يظل رهينًا بالنخب التي تُفعّله والثقافة السياسية التي تحتضنه.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: أي دستور نريد؟ بل أيضًا: أي نخب سياسية نملك؟ وأي ثقافة سياسية نعيد إنتاجها؟

إن معركة المغرب اليوم ليست فقط مع الفقر أو البطالة أو التضخم، بل أيضًا مع الرداءة السياسية. لأن البؤس السياسي، حين يستفحل، لا يفسد الانتخابات فقط، بل يفسد علاقة المجتمع كلها بالسياسة، ويحوّل الفضاء العمومي إلى ساحة للسخرية بدل أن يكون فضاءً للأمل….وكفى من البؤس السياسي.

 

Shortened URL
https://safircom.com/8re9
سفيركم

Recent Posts

احتجاجات مستمرة لقطاع الفلاحة قبيل نهاية الولاية الحكومية

بالموازاة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يستمر مستخدمو قطاع الفلاحة، في الاحتجاج ضد وزير الفلاحة،…

13 دقيقة ago

مايسي غراي تمنح موازين 2026 ليلة جاز خاصة

أحيت النجمة الأمريكية ماسي غراي، مساء السبت، حفلا موسيقيا بالمسرح الوطني محمد الخامس في الرباط،…

53 دقيقة ago

استراتيجية إسبانيا تجاه المغرب.. غياب يربك مدريد

اعتبر ألبرتو ماسيغوسا، المراسل السابق لوكالة الأنباء الإسبانية “إفي” بالرباط، أن إسبانيا ما تزال دون…

ساعتين ago

ولد الرشيد يبحث بمراكش التعاون البرلماني الإفريقي

بحث محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، السبت بمراكش، مع عدد من المسؤولين البرلمانيين الأفارقة،…

ساعتين ago

موازين 2026.. سيني كامارا تغني السلام بشالة

حوّلت الفنانة السنغالية سيني كامارا، مساء السبت، موقع شالة التاريخي بالرباط إلى فضاء موسيقي مفتوح…

3 ساعات ago

طائرة إنفانتينو تكشف كلفة كربون مونديال 2026

تثير طائرة إنفانتينو خلال مونديال 2026 جدلا بيئيا متصاعدا، بعدما تنقل رئيس الاتحاد الدولي لكرة…

3 ساعات ago

This website uses cookies.