بقلم: أشرف الملهوف
تُنسب إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل مقولة شهيرة مفادها: «لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، وإنما مصالح دائمة». وقد تحولت هذه العبارة مع مرور الزمن إلى قاعدة شبه ذهبية ترسم معالم العلاقات الدولية، بعيدًا عن كل ما هو أيديولوجي أو جغرافي أو تاريخي أو ديني.
يقوم هذا المنطق على الجمع بين المتناقضات واللعب على جميع الحبال المؤدية إلى الغاية، وفق تصور ميكيافيلي صرف يضع المصلحة فوق كل اعتبار.
في الحرب الجارية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا المواجهة الإسرائيلية-الأمريكية مع إيران، التي اندلعت بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية قادتها سلطنة عُمان، كانت هناك جهود حثيثة للتوصل إلى اتفاق سياسي ينهي أزمة الملف النووي الإيراني. وبحسب تصريحات لوزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي لقنوات فضائية عالمية، فإن تلك الجهود كانت قريبة من التتويج باتفاق.
غير أن إسرائيل كان لها رأي آخر، إذ فضّلت خيار الضربة العسكرية بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل كان الحديث عن المفاوضات جزءًا من خطة خداع استراتيجي تقوم على التهدئة الإعلامية تمهيدًا لتوجيه ضربة مفاجئة تهدف إلى شلّ قدرات النظام الإيراني؟
تسعى إسرائيل والولايات المتحدة من خلال هذه الحرب إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
أولًا، القضاء على البرنامج النووي الإيراني.
ثانيًا، تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ الباليستية.
ثالثًا، الدفع نحو تغيير النظام في طهران.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: أين يقف الحلفاء المفترضون لإيران داخل المنظومة الدولية، خصوصًا روسيا والصين؟
أولًا: روسيا ومنظار أوكرانيا
أضحى النزاع الروسي-الأوكراني، وما يرتبط به من مواجهة غير مباشرة مع حلف شمال الأطلسي، العامل الأساسي الذي يحدد أولويات موسكو في تحركاتها على الساحة الدولية. فقد فرض هذا النزاع نوعًا من الانكفاء على روسيا، خاصة مع الكلفة الاقتصادية والعسكرية المرتفعة للحرب، إضافة إلى العقوبات الدولية القاسية التي تستنزف الاقتصاد الروسي.
كل ذلك يقلّص من قدرة موسكو على التأثير في القرار الدولي، ويجعلها أكثر حذرًا في دعم حلفائها. وقد تجلت بعض ملامح هذا التراجع في تراجع مستوى الدعم لبعض الشركاء مثل فنزويلا وسوريا.
تجمع روسيا وإيران علاقات تاريخية ومتعددة الأبعاد، تُوِّجت بتوقيع اتفاقية شراكة سنة 2025. صحيح أن الاتفاقية لا تتضمن بندًا واضحًا للدفاع المشترك، إلا أن التعاون العسكري بين البلدين قائم بالفعل. فقد زوّدت روسيا إيران بطائرات وأنظمة دفاع جوي متقدمة، في حين زوّدت إيران روسيا بطائرات مسيّرة استُخدمت في الحرب الأوكرانية.
ومع ذلك، فإن هذا التعاون لا يرقى إلى مستوى التحالف العسكري الكامل، بسبب حسابات استراتيجية دقيقة لدى موسكو. فانتقال تركيز الولايات المتحدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط قد يمنح روسيا متنفسًا استراتيجيًا عبر تخفيف الضغط العسكري عنها، وربما جرّ واشنطن إلى حرب استنزاف طويلة الأمد مع إيران.
كما أن إضعاف الطموح النووي الإيراني قد يحدّ من نفوذ طهران الإقليمي، وهو ما قد لا يكون بالضرورة أمرًا سلبيًا بالكامل بالنسبة لروسيا. ومن الناحية الاقتصادية، فإن أي تراجع في صادرات النفط الإيرانية قد يفتح المجال أمام النفط الروسي في الأسواق الدولية، خصوصًا لدى الزبون الأكبر، أي الصين.
ولا يمكن إغفال جانب آخر يتمثل في العلاقات الروسية-الإسرائيلية التي حافظت، رغم التوترات، على قدر من البراغماتية، خاصة في ما يتعلق بالتوازنات في الساحة السورية.
ثانيًا: الصين وشبكة المصالح الاقتصادية
تحتاج إيران إلى الصين بدرجة كبيرة، لكن العكس ليس صحيحًا بالقدر نفسه. فالصين تُعد المستورد الأكبر للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على نحو 90٪ من صادراته. ومع ذلك، فإن بكين حريصة في الوقت ذاته على الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع دول الخليج، نظرًا لأهمية أسواقها وموقعها ضمن مشروع الحزام والطريق.
إضافة إلى ذلك، تبقى الولايات المتحدة الشريك الاقتصادي الأكبر للصين، رغم التنافس الاستراتيجي بين الطرفين. ولهذا فإن بكين تميل إلى تبني رؤية للعلاقات الدولية يغلب عليها الطابع الاقتصادي، وتسعى إلى تجنب الانخراط في صراعات عسكرية مباشرة أو توترات جيوسياسية حادة قد تهدد مصالحها التجارية العالمية.

