تعيش عدد من عمالات المملكة هذه الأيام على وقع لقاءات يفترض أنها مخصصة للتشاور حول برامج التنمية المندمجة (PDTI)، لكن ما يجري على الأرض، حسب العديد من المتتبعين، يكشف واقعا مغايرا تماما لروح التوجيهات الملكية التي شددت على ضرورة إشراك فعلي وحقيقي للمنتخبين والفاعلين والمجتمع المدني في صياغة أولويات التنمية.
ووفق عدد من الفاعلين، فإنه بدل أن تكون هذه اللقاءات فضاءات للإصغاء ولتجميع المقترحات وتشخيص الخصاص الترابي، تحولت في عدد من المناطق إلى اجتماعات شكلية معدة سلفا، لا تتجاوز كونها طقوسا إدارية تنجز لالتقاط الصور وتسجيل الحضور، بينما المشاريع الكبرى والاختيارات الأساسية تكون في الغالب جاهزة قبل بدء “التشاور” أصلا.
والواقع الذي يندد به عدد من الفاعلين يكشف أن ما يسمى بورشات التشاور لا يعكس حقيقة النقاش العمومي المطلوب، إذ تنعقد الاجتماعات دون أرضيات واضحة، دون منهجيات عمل، ودون تحديد حاجيات الساكنة أو أولوياتها.
والأسوأ أن ملاحظات الفاعلين الحاضرين لا تؤخذ في الاعتبار، بينما تستمر عملية إعداد البرامج داخل مكاتب مغلقة، وفق منطق مركزي بعيد عن روح المشاركة.
وفي كثير من هذه اللقاءات، يجلس أشخاص لا علاقة لهم بملفات التنمية، تلتقط لهم صور جماعية، يتم تبادل المجاملات وبعض المصالح، ثم يغادر الجميع دون أي أثر يذكر. لا توصيات تجمع، ولا محاضر جدية تدون، ولا دينامية تشاركية تتبلور.
وحين دعا جلالة الملك إلى إطلاق دينامية وطنية واسعة للإنصات للمواطنين والمنتخبين والمجتمع المدني، لم يكن الهدف تزيين الواجهات أو تنظيم لقاءات للاستهلاك الإعلامي.
الغاية كانت واضحة، هي إعادة بناء الثقة، تصحيح اختلالات التشخيص، وتوجيه الاستثمارات نحو أولويات واقعية تحقق العدالة المجالية والترابية.
لكن ما يجري اليوم في عدد من العمالات يبدو أقرب إلى “در الرماد في العيون”، وإلى إعادة إنتاج الممارسات القديمة نفسها، التي تفصل بين الخطاب الرسمي والواقع العملي.
إن استمرار هذا العبث يمثل إنقلابا فعليا على جوهر الخطاب الملكي، وإفراغا لمفهوم التنمية المندمجة من محتواه.
المطلوب اليوم ليس المزيد من الصور، بل المزيد من الإصغاء. ليس المزيد من “الورشات الورقية”، بل المزيد من الجدية والوضوح والمسؤولية.
فالتنمية ليست حدثا بروتوكوليا، بل مسارا جماعيا يتطلب احترام ذكاء المواطن، وتطبيق روح التوجيهات الملكية كما هي، لا كما يراد لها أن تكون.
هذه الدينامية لن تنجح إلا حين يتوقف الجميع عن النظر إلى التشاور كواجب إداري، ويتعاملون معه كحق للساكنة وضرورة للتخطيط الترابي المسؤول.

