الرئيسي

ماذا يفعل عبد الرحيم بوعبيد في شوارع أكادير؟!!

بقلم: عمر لبشيريت

ما الذي يفعله عبد الرحيم بوعبيد في شوارع أكادير؟ سؤال يبدو عبثيًا لو لم يكن وراءه نوايا أكثر عبثًا. الرجل، الذي واجه التزوير والقمع من قلب أكادير سنة 1977، ورفض المساومة على مبادئه حتى وهو يُقصى من البرلمان، صار اليوم هدفًا لمحاولات بئيسة تريد محو اسمه من فضاء المدينة.

نحن لا نناقش اليوم تسمية شارع، بل نخوض معركة ضد تصفية رمزية لذاكرتنا الجماعية. حين يُقترح حذف اسم عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي من شارع بأكادير، فالمسألة لا تتعلق فقط بقرار بلدي، بل بتحول في القيم: من الوفاء إلى النكران، من الاعتراف إلى الطمس، من المقاومة إلى التطبيع.

تقول الأغنية، مع بعض التحوير،: ” وإللي ما شاف من الغربال يا أكادير/ أعمى بعيون صهيونية..”.

ويقول التاريخ، كان الاتحاد الاشتراكي قد اكتسح كافة مدن وقرى الأقاليم الجنوبية وعلى رأسها أكادير، خلال الانتخابات الجماعية لسنة 1976، ولم تسلم من قبضة الاتحاديين سوى بعض الدوائر والمداشر التي لم تستطع مقاومة آلة التزوير التي قادها وزير الداخلية الطيب بنهيمة وكاتب الدولة في الداخلية ادريس البصري. كان الجنوب قلعة اتحادية.

ستعيش أقاليم الجنوب، بعد الانتخابات، حالة استثناء، وستشهد عملية حملة مطاردة وقمع جهنميتين. ونتيجة لذلك، طالب مناضلو المنطقة بمقاطعة الانتخابات التشريعية لسنة 1977، وكادوا أن ينجحوا في ذلك، لولا تدخل عبدالرحيم بوعبيد، الذي قرر الترشح بمدينة أكادير كتعبير رمزي للتضامن مع مناضليها وتحية لسكانها وحماية أصواتهم.

كان عبدالرحيم بوعبيد يصارع من أجل خروج مغرب الحسن الثاني من حالة الاستثناء، والدفع بالمشروع الإصلاحي الديموقراطي إلى الأمام، وكسب تحديات ملف الصحراء الذي انطلق ساخنا كالجمر.

ترشح سي عبدالرحيم، ولم يكن في حاجة إلى حملة انتخابية. كانت القلعة الاتحادية مضمونة. لكن، سيتعرض لامتحان في قناعاته ومشروعه وإيمانه بالديموقراطية.

عرض على سي عبدالرحيم، الذي قاد أكبر قوة اقتراحية إصلاحية، حسب وصف عبدالله العروي، التخلي على ترشحه، وساومه ادريس البصري وبنهيمة على اختيار أي نقطة جغرافية بالمغرب مع ضمان الفوز، مقابل التخلي عن مدينة أكادير.

رفض سي عبدالرحيم المساومة والقبول بلعبة مغشوشة ومعدة سلفا، وكانت النتيجة مذبحة انتخابية تم خلالها تزوير الانتخابات وإسقاط عبد الرحيم بوعبيد.

كانت أكادير بالنسبة لسي عبدالرحيم، رمزا لصون اختيارات السكان والتفافهم حول الاتحاد الاشتراكي، آنذاك، ودفاعا عن مناضلين من أبناء الجنوب تعرضوا للقهر والتسلط.

لذلك، فأن يحمل شارع بأكادير، هو اعتراف بما قدمه الرجل، وعنوان على وفاء مدينة وسكانها لقامة وطنية لم تساوم ولم تتخلى عنها، وأصرت على الدفاع على حقها في الاختيار الحر.

أن يأتي المتصهينون، اليوم،  للمطالبة بحذف اسمين كبيرين، عبدالرحيم بوعبيد وعلال الفاسي، من ذاكرة المدينة، فإن ذلك ينبئ بما كنا ننبه منه من تجرأ الملتفين حول مائدة التصهين على مقومات وتاريخ هذا البلد.

الصهيونية، مثل الداعشية والسلفية، تحارب الرموز والذاكرة، لإحلال أخرى، هجينة ولقيطة.

لن تنطلي علينا كذبة إعادة الاعتبار للمكون العبري، لتمرير أهداف تريد التمكين للصهينة وسفرائها بالمغرب، وهم كثر.

التجرأ على مسخ ذاكرة أكادير، اليوم، يماثل في عنفه الرمزي والمادي، ما وقع في السبعينيات من حرمانها بعنف من الاختيار الحر لممثليها في البرلمان.

لو حسنت النوايا، وأظنها خبيثة، لصفق الجميع. فنحن نحتاج، فعلا، إلى الالتفات إلى الذاكرة العبرية المغربية في تاريخنا وإعطائها ما تستحق، وفعلا تستحق شوارعنا أن تتزين بأسماء الكتاب والفنانين والسياسيين والمبدعين والرَّبيين المغاربة اليهود. ولكن، ليس بمثل “قلة الحيا”، التي أصبحنا نشاهدها، والتي تستعمل المكون العبري كحصان طروادة.

ويسهل اكتشاف خبث “المبادرة”، فأصحابها لم يجدوا في كل أكادير سوى شارعين يحملان اسم  رجلين وطنيين، علال الفاسي وعبدالرحيم بوعبيد. أليست هناك شوارع وأزقة لا تحمل أسماء، يمكن تسميتهما بأسماء مغربية عبرية عليها؟

ثم، كيف تناسى بؤساء المبادرة قامات كبرى مثل سليم الهلالي، وحاييم بوطبول وريمومندا البيضاوية، وسامي المغربي، وزهرة الفاسية، وادموند عمران المليح، وجرمان عياش…لكي نأتي بمغنية إسرائيلية مبتدئة، لم تبلغ 1٪؜  من مسار وعطاء نعيمة سميح وفاطنة بنت الحسين وحادة أوعكي، لكي نطلق اسمها على مركب ثقافي.

قد تبدو للوهلة الأولى مجرد “مبادرة” لنكرة لا إلمام له بتاريخ ورموز هذا البلد، ولا يفقه شيئا في تراثنا وأسماء المكون العبري لهذه الأمة، لكنها في الحقيقة، محاولة من بين الكثير من المحاولات التي تأتينا، تارة ممتطية حصان طروادة المكون المغربي اليهودي، وتارة مغلفة تحت شعار “تازة قبل غزة”، وتارة أخرى بدعوى مواجهة “تطرف حماس”.

محاولات لا تكل ولا تمل، وتزداد وقاحة وجرأة، هدفها النهائي التطبيع مع التصهين. إننا في حاجة إلى إنصاف الذاكرة، لا تزويرها وصهينتها.

Shortened URL
https://safircom.com/3kj9
سفيركم

Recent Posts

بعثة اقتصادية مصرية بالمغرب لتعزيز التعاون في الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف

استقبل المغرب يومي 9 و10 يونيو 2026 بعثة اقتصادية مصرية متخصصة في قطاعي الصناعات الغذائية…

3 دقائق ago

في تقييم يشمل الاقتصاد والحوكمة.. المغرب يحل رابعا في تصنيف الأداء في إفريقيا

حلّ المغرب في المرتبة الرابعة ضمن تصنيف أفضل الدول الإفريقية أداء لعام 2026، الصادر عن…

33 دقيقة ago

نقابة إسبانية: وفاة عاملة مغربية بضربة شمس يفضح ظروف العمل القاسية

أعلن الاتحاد النقابي للعمال والعاملات الأندلسيين بهويلفا (SAT)، عن وفاة عاملة مهاجرة من الجنسية المغربية…

ساعة واحدة ago

بحضور دبلوماسيين عرب.. كفاءات مغربية وأردنية توحد جهودها في إطار جديد لخدمة المصالح المشتركة

شهد المركز الثقافي أكدال بالرباط، مساء اليوم الأربعاء، عقد الجمع العام التأسيسي لـ "منتدى الأخوة…

ساعتين ago

المغرب والإمارات يوقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجال حقوق الإنسان

وقعت المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بالمغرب واللجنة الدائمة لحقوق الإنسان بدولة الإمارات العربية المتحدة،…

ساعتين ago

تقرير دولي يضع المغرب ضمن الدول المعرضة لمخاطر “العنف الانتخابي” خلال 2026 و2027

صنف تقرير دولي حديث المغرب ضمن الدول التي قد تواجه مخاطر مرتبطة بالعنف الانتخابي خلال…

3 ساعات ago

This website uses cookies.