اختارت مالي أن تقطع بشكل نهائي مع اتفاق الجزائر الموقع سنة 2015، متجاهلة العرض الذي تقدم به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، للعب دور الوساطة بينها وبين الطوارق، مؤكدة تبنيها لميثاق وطني جديد للسلام والمصالحة، يُعد أول وثيقة سيادية من هذا النوع تُصاغ بجهود مالية محضة.
وأوضح تقرير نشرته صحيفة “African Perceptions” أن الإعلان الرسمي عن الميثاق جاء يوم 22 يوليوز 2025، بعد أن تسلم رئيس المرحلة الانتقالية، الجنرال عاصيمي غويتا، الوثيقة التي وُصفت بأنها “ثمرة حوار وطني شامل”، الذي امتد من فبراير 2024 إلى يوليوز 2025.
وذكر المصدر ذاته أن هذا المشروع، الذي شارك فيه ممثلون عن المؤسسات الرسمية، والمجتمع المدني، ومواطنون من داخل البلاد ومن الجاليات بالخارج، والذي يُنظر إليه على أنه “اتفاق داخلي جامع”، يأتي ليعوض اتفاق الجزائر الموقع سنة 2015، الذي انسحبت منه باماكو بشكل رسمي العام الماضي.
وشدد المصدر ذاته على أن هذا النص الجديد يمثل قطيعة واضحة مع اتفاق الجزائر لعام 2015، الذي تعتبره السلطات الانتقالية غير ملائم للواقع الحالي، إذ يستند الميثاق إلى مقاربة داخلية ترتكز على المؤسسات الوطنية والقيم المجتمعية الموروثة.
ووصف رئيس الوزراء الميثاق الوطني الجديد للسلام والمصالحة بأنه “مرحلة تاريخية من أجل السيادة الوطنية”، في وقت لا تزال فيه التحديات الأمنية قائمة، خاصة في شمال البلاد ووسطها.
وبدوره، أشار موقع “Africa News” الإخباري، إلى أن تبني هذا الميثاق جاء كرد فعل على العرض الذي قدمه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في لقاء صحفي، بخصوص التوسط بين المجلس العسكري الحاكم في مالي والقوات المتمردة الطوارقية، مشترطا أن تتقدم باماكو بطلب رسمي للحصول على هذه الوساطة.
وتمر العلاقات المالية الجزائرية بفترة توتر كبيرة منذ انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر، وزادت حدتها باتهام مالي للجزائر بـ”إيواء مسلحين” والتغاضي عن عمليات عبر الحدود ضد أهداف مالية، ما أدى في السابق إلى تبادل الاتهامات، وسحب السفراء، وإغلاق الأجواء بين البلدين.
وكانت قد استنكرت مالي احتضان الجزائر لشخصيات مالية معارضة، من بينهم قياديون في “جبهة أزواد”، ما تعتبره مالي دعما غير مباشر لجماعات معادية للدولة، مؤكدة أنه منذ وصول الجيش إلى الحكم في مالي عام 2021، وهو يتبنى سياسة تعتمد على “الحلول الداخلية” وترفض التدخلات الخارجية.
وتسعى باماكو من خلال هذه الخطوة إلى كسر النفوذ الجزائري في مالي، ما دفعها إلى الانسحاب من “لجنة الأركان المشتركة” التي تضم الجزائر، ومالي، موريتانيا والنيجر، وكذا الانضمام إلى دول تحالف الساحل رفقة كل من النيجر وبوركينا فاسو.
وانفتحت مالي أيضا على المبادرة الأطلسية المغربية، التي أطلقها الملك محمد السادس والرامية إلى تعزيز التعاون بين المغرب ودول الساحل، بهدف جعل المنطقة فضاءا للتنمية والسلام المشتركين.
ومن جانبه، لفت تقرير نشره موقع “Mali Web” إلى أن هذا المسار الوطني قاده رئيس الوزراء السابق عثمان إيسوفي مايغا، البالغ من العمر 80 سنة، الذي استدعاه غويتا من التقاعد لقيادة الحوار الوطني، وقد أشرف على حوارات موسعة شملت مختلف الجهات والفئات، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية تُعبر عن الإرادة الجماعية للشعب المالي، بعيدا عن التأثيرات الخارجية.
وخلص بالإشارة إلى أن هذا الميثاق، الذي يُرتقب أن يصادق عليه المجلس الوطني الانتقالي قريبا، سيواكَب بإحداث مرصد وطني لتتبع تنفيذ بنوده، لا سيما في ملفات المصالحة، والتنمية المحلية والتماسك الاجتماعي، وذلك في ظل استمرار التحديات الأمنية في شمال ووسط مالي، حيث تنشط جماعات متمردة وأخرى مصنفة إرهابية.

