شهدت جماعة أيت بوكماز بإقليم أزيلال مسيرة احتجاجية غير مسبوقة، حيث توجه المئات من السكان نحو مقر جهة بني ملال، قبل أن يتوقفوا عند عمالة الإقليم، رافعين مطالب اجتماعية وتنموية مرتبطة بالخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية.
المسيرة انتهت بلقاء جمع ممثلين عن الساكنة بعامل الإقليم، الذي وعد بالاستجابة لمطالبهم وتفعيل مشاريع تنموية تستجيب لأولوياتهم. هذا اللقاء فتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول دور الجماعات الترابية، خاصة أن غالبية المطالب التي رفعتها الساكنة تندرج ضمن اختصاص هذه الجماعات، بموجب القانون التنظيمي 113.14.
وإذا كانت السلطة الإقليمية قد تدخلت بصفتها سلطة وصاية لاحتواء غضب الساكنة، فإن هذا التدخل يسلّط الضوء على محدودية أداء الفاعلين الترابيين، ويعيد طرح الإشكال الأعمق المرتبط بجدوى النموذج الترابي المعتمد، وقدرته على مواكبة انتظارات المواطنين.
وفي هذا السياق، قال رضوان عميمي، أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن “هناك إشكالية حقيقية تعيق عمل الجماعات الترابية”، مشددًا على أن “النموذج الترابي الحالي لم يعد قادرًا على استيعاب حتى الإشكاليات الأساسية والمطالب اليومية للمواطنات والمواطنين، لا سيما في المناطق القروية”.
واعتبر عميمي، في تصريح لموقع “سفيركم”، أن “موجة الاحتجاجات التي تعرفها عدد من المناطق تشكّل مؤشرًا واضحًا على ضرورة إعادة النظر في هذا النموذج، والتأسيس لتصور جديد يراعي خصوصية المجالات القروية والجبلية على وجه الخصوص”.
وعبّر عميمي عن قناعته بأن “المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية والتنظيمية، التي وصفها بالمتقدمة، بل في النخب الترابية التي يفرزها النموذج الانتخابي”، مشيرًا إلى أن “هذه النخب، في كثير من الأحيان، تفتقر إلى الكفاءة والقدرة على مواجهة التحديات التنموية الراهنة”.
كما كشف المتحدث أن “سلطة المراقبة تتحمل بدورها مسؤولية واضحة، لا سيما فيما يتعلق بضرورة التشدد في آليات المراقبة بمختلف مستوياتها، حتى لا تتفاقم الاختلالات”. وأكد أن “أحد أبرز الأسئلة المطروحة اليوم هو المتعلق بالخدمات الأساسية، التي منحها القانون التنظيمي 113.14 صلاحيات واضحة للجماعات المحلية من أجل التدخل فيها”.
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن “أزمة التمويل لا تزال تشكّل عائقًا جوهريًا أمام تحقيق نجاعة التدبير الترابي”، معتبرًا أن “كل هذه الإشكاليات الفرعية تعيد التأكيد على السؤال الجوهري المتعلق بضرورة صياغة نموذج ترابي جديد، ونخبة ترابية جديدة قادرة على حمل مشروع تنموي حقيقي، ينصف الهامش ويعيد الثقة في المؤسسات”.

