أعمدة رأي

من إصلاح مُثقَل بالإرث إلى يقين الدولة أو الانفتاح الديمقراطي كبديل عن التحول المعاق

بقلم: مصطفى المنوزي

رغم ما رافق انطلاق العهد الجديد من وعود كبرى وإرادة مُعلنة لطي صفحة الماضي، ورغم ما تحقق فعليًا ؛ ونسبيا ؛ من إصلاحات دستورية ومؤسسية وتشريعية وسياسية، فإن هذا العهد وجد نفسه منذ بدايته محمَّلًا بأثقال تركة تاريخية معقّدة، لم يكن هو صانعها بقدر ما كان وارثًا لها. فالدولة، في صيغتها الراهنة، تُحاسَب اليوم ليس فقط على اختياراتها الآنية، بل أيضًا – وربما أساسًا – على أعطاب بنيوية تراكمت عبر عقود، ورسخت أنماطًا من التدبير والعلاقة مع المجتمع يصعب تفكيكها بإرادة سياسية معزولة أو بإصلاحات متدرجة.

غير أن تعثر هذا المسار لا يمكن عزوه فقط إلى ثقل الماضي، بل يتعين ربطه أيضًا بالإكراهات البنيوية التي حكمت تموقع المؤسسة الملكية داخل سيرورة التحول نفسها. فرغم ما اضطلعت به من أدوار تحديثية وإصلاحية، لم تستطع هذه المؤسسة بعدُ التخلص كليًا من التمثلات التقليدانية الموروثة، التي تُماهي بين النظام والدولة، وتختزل الكيان المؤسساتي في رمزية الشخص. هذا التماهي، الذي يشتغل في العمق الثقافي والسياسي، حال دون الحسم الواضح في الفصل بين النظام باعتباره اختيارًا سياسيًا تاريخيًا، والدولة باعتبارها إطارًا مؤسساتيًا عامًا ومحايدًا يفترض أن يُدار بمنطق القواعد لا بمنطق الهيبة.

إن استمرار هذا الالتباس البنيوي أفضى إلى حالة من اللايقين المزمن، حيث أصبحت المسارات السياسية والمؤسساتية رهينة للتأويلات والاصطفافات أكثر من كونها محكومة بقواعد مستقرة. فالهيبة، بدل أن تُستمد من انتظام المؤسسات واحترام القانون، ظلت مرتبطة بالأشخاص، مما عزز منطق الشخصنة على حساب ترسيخ المسؤولية المؤسسية، وأضعف قدرة الدولة على إنتاج يقين قانوني وسياسي مستدام.

لقد حاول العهد الجديد تجديد المقاربات والمفاهيم، واعتمد خطاب المصالحة والإنصاف، وفتح أوراشًا إصلاحية غير مسبوقة، غير أن هذه الجهود اصطدمت بعمق البنية الموروثة: أجهزة اشتغلت طويلًا بمنطق الضبط أكثر من منطق الثقة، وثقافة إدارية ترى في الاستثناء قاعدة، وتوازنات غير مرئية تجعل أي تغيير جذري محفوفًا بكلفة سياسية ومؤسساتية عالية. وهكذا، لم يكن تعثر الانتقال نتيجة غياب النية أو انعدام المبادرة، بقدر ما كان انعكاسًا لمقاومة كامنة في بنية الدولة نفسها، ولمحدودية الإصلاح حين يُطلب منه أن ينجز دفعة واحدة ما لم يُنجزه التاريخ.

في هذا السياق، أُنجزت تجربة العدالة الانتقالية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة كحل تاريخي شجاع، وكسابقة إقليمية ذات دلالة، لكنها ظلت، في جزء كبير منها، أسيرة منطق التسوية غير المكتملة. فهذه التجربة لم تكن مجرد معالجة تقنية لانتهاكات الماضي، بل كانت في جوهرها تسوية سياسية كبرى بمقاربة حقوقية، شاركت في بلورتها تعبيرات ضحايا سنوات الرصاص وذاكرتهم ومعاناتهم، وكان يُفترض أن تُستكمل عبر تنزيل توصياتها السياسية والمؤسساتية، خاصة ما يتعلق بضمانات عدم التكرار، وإصلاح أجهزة الدولة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحكامة الذاكرة.

غير أن تعطيل الشق السياسي من هذه التوصيات أبقى المصالحة في حدودها الرمزية، وحوّل الذاكرة من رافعة إصلاحية إلى عبء مؤجل. وهكذا وجد العهد الجديد نفسه في مفارقة قاسية: مُطالب بإثبات القطيعة مع الماضي، بينما يتحرك داخل بنية لم تُستكمل فيها شروط الفصل بين النظام والدولة؛ ومُحاسَب على نتائج الانتقال، في حين ظلت أدوات هذا الانتقال جزئيًا أسيرة منطق الهيبة والهيمنة الرمزية للأشخاص على حساب المؤسسات.

إن عقدة الهيبة، حين تُبنى على الشخصنة لا على القواعد، لا تحمي الاستقرار بقدر ما تُقوضه على المدى المتوسط والبعيد. فهي تُنتج هشاشة مقنّعة، وتحوّل السلطة إلى عبء دائم لإعادة إنتاج شرعيتها رمزيًا، بدل أن تترك للمؤسسات أن تشتغل وفق منطقها الطبيعي في الضبط والتوازن والمساءلة. ومن ثم، فإن إنصاف العهد الجديد لا يعني تبرئته من المسؤولية، بل يقتضي الاعتراف بأن الدولة لا يمكن أن تتحرر من تركة الأمس إلا عبر مسار طويل، يتجاوز منطق تحميل المسؤولية إلى منطق تقاسمها، ويعيد توجيه الرمزية من هيمنة مُثقلة للدولة إلى رمزية ضامنة لتحرير المؤسسات.

وخلاصة القول، إن بوادر بعض الحل تكمن في إعادة فتح ورش الانفتاح في أفق دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع معًا، على أساس تثمين المشترك الوطني باعتباره رصيدًا جامعًا لا مجالًا للصراع، وعلى أساس استكمال الشق السياسي من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة باعتبارها المرجعية التأسيسية لأي انتقال ديمقراطي ذي مصداقية. فصحيح أن الإصلاح الذاتي مكلف، لأنه يتطلب شجاعة الاعتراف وحسمًا في مواقع السلطة، لكنه يظل أقل كلفة بما لا يُقاس من بقية الوسائل الأخرى القاتلة، التي لا تُنتج سوى العنف، أو اللايقين، أو الانسداد.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في البحث عن حلول استثنائية أو ترقيعية، بل في استعادة منطق التسوية التاريخية وتحيينها ديمقراطيًا، بما يسمح بتحويل الذاكرة من جرح مفتوح إلى عقد وطني متجدد، أساسه الحقوق، والمؤسسات، واليقين الديمقراطي ؛ في ظل هشاشة المشهد الحزبي وحصار إعلامي ممأسس على مبادرات واستقلالية قوى المحتمع المدني الجدية ، وفي ظل غياب عروض ومشاريع مجتمعية قابلة للتطبيق ؛ ، ناهيك عن الجاذبية المترددة نحو علاقات خارجية تكتيكية تؤطرها هيمنة قوانين إقتصاد الحرب !

Shortened URL
https://safircom.com/luek
سفيركم

Recent Posts

موخاريق: جولة الحوار الاجتماعي جاء في الأمتار الأخيرة من عمر الحكومة وماكوري:”زيادة الأجور” في أول المطالب

قال الميلودي موخاريق،الأمين العام لنقابة الاتحاد المغربي للشغل، في تجمع نقابي اليوم الجمعة فاتح ماي،…

8 ساعات ago

ناسا: المغرب شريك جديد في استكشاف القمر وما بعده

أشاد مدير وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، جاريد إيزاكمان، بانضمام المغرب إلى اتفاقيات “أرتميس”. معتبراً أن…

9 ساعات ago

تنسيق يساري مشترك يمهد لتحالف “الشمعة” و”الرسالة” قبل الاستحقاقات المقبلة

أعلن كل من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، عن خطوة جديدة في مسار…

9 ساعات ago

مهرجان الأليزي يعيد الموسيقى الكلاسيكية إلى قلب الصويرة

انطلقت بالصويرة فعاليات الدورة الـ22 لمهرجان "ربيع موسيقى الأليزي"، في موعد فني يعيد طرح موقع…

10 ساعات ago

مؤسسات دستورية بجناح موحد في معرض الرباط للكتاب

خطوة تعكس توجها نحو تقريب المؤسسات من المواطنين، حيث اختارت ست مؤسسات دستورية وهيئات تقنين…

10 ساعات ago

حكيمي غائب عن موقعة ميونخ وإنريكي يشيد به

أكد مدرب باريس سان جيرمان، لويس إنريكي، الأهمية الكبيرة للدولي المغربي أشرف حكيمي داخل تشكيلته،…

11 ساعة ago

This website uses cookies.