بقلم: مصطفى المنوزي
من حق الدولة، بل من واجبها السيادي، أن تختار حلفاءها وتحالفاتها باسم المصلحة العليا للبلاد، وفق منطق استراتيجي يستحضر موازين القوة، وتحولات السياق الدولي، ومتطلبات الأمن القومي، ومقتضيات التنمية، وفي ذلك تتحمل كامل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية وأمام التاريخ كما يهمس الدكتور محمد الطوزي ، على اساس أن الأمن والدين والخارجية مجالات محفوظة للملك .
غير أن هذا الحق المشروع لا يُعفيها من واجب دستوري وأخلاقي لا يقل أهمية، يتمثل في احترام خيارات المواطنين المبدئية والمذهبية والقيمية، ما دامت هذه الخيارات تخدم الوحدة الوطنية ولا تمس بالمصالح العليا للوطن.
فالدولة الحديثة لا تُدار فقط بمنطق البراغماتية الجيوسياسية، بل أيضًا بمنطق الشرعية الديمقراطية والانسجام القيمي الداخلي على أساس أن للأمة ثوابتها وخياراتها المتوافق حولها دستوريا وعرفيا . ذلك أن أي انفصال بين السياسة الخارجية للدولة ووجدان المجتمع يُنتج توترًا صامتًا، يضعف التماسك الوطني، ويهشّم الرأسمال الرمزي الذي تحتاجه الدولة لتقوية موقعها التفاوضي خارجيًا. إن اختيارات المواطنين المبدئية ليست عبئًا على القرار السيادي، بل تمثل رافعة له متى أُحسن استثمارها، إذ يتحول المواطن حينها من متلقٍّ سلبي إلى سند استراتيجي واعٍ للدبلوماسية الوطنية.
وفي هذا السياق، يغدو التحدي الحقيقي هو بناء معادلة دقيقة بين منطق الدولة ومنطق المجتمع، بين مقتضيات الواقعية السياسية وضرورات الانسجام القيمي، وبين البراغماتية الاستراتيجية وأخلاقيات المواطنة. ؛ وهي معادلة لا تُبنى عبر الخطاب التبريري أو التواصل الدعائي، بل من خلال تعاقد وطني شفاف، قائم على الحوار والمكاشفة وإشراك الرأي العام في فهم رهانات الاختيار وحدوده.
ومن هنا تبرز أهمية الإعلام العمومي، لا باعتباره أداة تبرير أو تسويق، بل باعتباره فضاءً ديمقراطيًا لإنتاج المعنى المشترك وصياغة السردية الوطنية الجامعة. فلا حكامة دبلوماسية دون دمقرطة حقيقية للإعلام العمومي، باعتباره أحد أهم مفاصل تشكيل الوعي الجماعي وبناء المناعة الرمزية للدولة. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تُدار فقط عبر القنوات الرسمية المغلقة، بل أصبحت تُخاض داخل الفضاء العمومي، حيث تتقاطع السياسة بالإعلام، ويتداخل الرسمي بالمجتمعي، وتُدار معارك الرموز قبل معارك المصالح. وفي هذا السياق، لا ينتج الإعلام المؤطر والموجَّه سوى خطاب هش، سريع الانكشاف أمام السرديات المضادة، بينما يُنتج الإعلام الديمقراطي التعددي وعيًا نقديًا جماعيًا، قادرًا على التحليل والمساءلة وتحويل التعدد إلى قوة تفاوضية ؛ لأن تمكين المجتمع من التعبير الحر والمسؤول عن مواطنته وغيرته الوطنية، بعيدًا عن كل وصاية أو توجيه، لا يهدد الأمن الدبلوماسي، بل يعززه، ولأنه يُراكم رأسمالًا رمزيًا داخليًا، يُترجم خارجيًا إلى مصداقية وقوة ناعمة.
فالدولة التي تثق في وعي مجتمعها والقوى الوطنية الحية ، وتفتح لهم فضاءات النقاش الحر والمسؤول، تُحصّن جبهتها الداخلية ضد الاختراق، وتبني سردية وطنية قادرة على الصمود والتأثير في عالم تحكمه صراعات الروايات بقدر ما تحكمه صراعات المصالح.
إن الرهان اليوم ليس فقط في تحديث أدوات الدبلوماسية، بل في تحديث بنيتها السردية نفسها، عبر الانتقال من منطق الضبط إلى منطق الثقة، ومن ثقافة التعليمات إلى ثقافة الحوار، ومن هاجس التحكم إلى أفق الشراكة المجتمعية. فبدون إعلام عمومي ديمقراطي، تظل الحكامة الدبلوماسية مجرد إدارة تقنية للأزمات، لا استراتيجية سيادية لبناء المكانة والشرعية.
وعليه، فإن التوفيق الخلاق بين حق الدولة في اختيار حلفائها وواجبها في احترام ضمير مجتمعها، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر دمقرطة الإعلام العمومي، بوصفه الجسر الحيوي بين القرار السيادي والوجدان الجماعي، وبين المصلحة العليا والمواطنة الواعية. فهنا، تحديدًا، تتأسس سيادة جديدة: سيادة السردية الوطنية التشاركية.

