كشفت عملية أمنية إسبانية كبرى النقاب عن نفق مخدرات متطوّر في مدينة سبتة، يُعدّ من أعقد الشبكات الإجرامية المرصودة في جنوب أوروبا خلال السنوات الأخيرة، إذ امتدت خيوطها من شمال المغرب حتى منطقتَي الأندلس وغاليثيا في العمق الإسباني.
“نفق على الحدود.. بنية تحتية جنائية متكاملة”
يُجسّد اكتشاف النفق بالقرب من معبر الطارجال — أحد أبرز نقاط العبور بين المغرب وسبتة — منعطفاً حاسماً في مسار التحقيق. وبحسب ما أوردته صحيفة سيوتا أورا الإسبانية، فإن المنشأة كانت بعيدة كل البعد عن التصوّرات التقليدية للأنفاق الجنائية؛ إذ زُوِّدت بأنظمة نقل ومعدّات إضاءة وتصريف مياه، ما جعلها معبراً استراتيجياً يُتيح تهريب كميات ضخمة من الحشيش بصمت وسرعة، فضلاً عن كونها نقطة تخزين ولوجستية لتنظيم الشحنات قبيل توزيعها.
“التنصّت.. مفتاح فكّ شيفرة الشبكة”
أدّت عمليات التنصّت على الاتصالات دوراً محورياً في الكشف عن هيكل التنظيم. وقد أماطت المكالمات المُعترَضة اللثامَ عن شبكة ذات تراتبية صارمة، يتولّى فيها نواة قيادية رسم الاستراتيجية والتنسيق مع الخلايا العملياتية. واعتمد أفراد الشبكة لغة مشفّرة تتخلّلها مصطلحات يومية مموّهة، إلى جانب هواتف مسبقة الدفع وتطبيقات تشفير، غير أن المحققين تمكّنوا من رصد أنماط متكرّرة شكّلت ثغرة في الدرع الأمني للتنظيم. وكشفت الاتصالات أيضاً عن تنسيق لحظي متواصل، حيث كانت المسالك والجداول الزمنية وأساليب العمل تُعدَّل فورياً بحسب مستوى الضغط الأمني.
“أدوار مُحكمة.. منطق الشركة الجنائية”
ما يلفت النظر في هذه القضية هو التخصص الدقيق لأدوار كل عنصر داخل الشبكة؛ فثمّة من يتولّى الإدارة والتنسيق العام، وآخرون مختصّون بصيانة النفق وتشغيله، وفريق ثالث يُدير عمليات النقل إلى الأندلس والتوزيع باتجاه غاليثيا، ورابع يعمل في الاستخبارات المضادة لرصد التحركات الأمنية، إضافة إلى ذراع مالية تُشرف على تدوير الأموال. هذه البنية المقسَّمة الخلايا جعلت التنظيمَ شديدَ الصمود أمام محاولات التفكيك.
“الأندلس وغاليثيا.. محطّتا التوزيع الرئيسيتان”
بعد اجتياز النفق، كانت المخدرات تنتقل إلى شبه الجزيرة الإيبيرية لتتحوّل الأندلس إلى مركز لوجستي رئيسي، قبل أن تُوجَّه شحنات منها نحو الشمال الغربي حيث تلعب غاليثيا دور منفذ بحري للتصدير أو العبور. ولم تكن الشبكة تعتمد على النفق وحده؛ بل كانت تُفعّل بالتوازي قوارب تهريب سريعة في مضيق جبل طارق، ومساراً برياً عبر الطرق الرئيسية، لضمان استمرارية العمليات وتشتيت الرقابة.
“الخيط المغربي.. شبكة تمتد من الشمال إلى الحدود”
أكّد التحقيق وجود ذراع موازية للشبكة على الجانب المغربي من الحدود، تتولى تأمين الحشيش من مناطق الإنتاج في شمال المغرب وإيصاله إلى نقاط التجميع المتاخمة للحدود استعداداً لإدخاله عبر النفق. وتُشير المكالمات المُعترَضة إلى أن المزوّدين المغاربة لم يكتفوا بدور الإمداد، بل شاركوا في التخطيط وتعديل الشحنات تبعاً للمعطيات الأمنية على الضفّة الإسبانية.
“أكثر من عشرين موقوفاً.. وملاحقة بحثاً عن المتحكّم الكبير”
أسفرت العملية عن اعتقال أكثر من عشرين شخصاً في مناطق متفرّقة، بينهم قياديون وأعضاء محوريون في اللوجستيك والتمويل. بيد أن ملفّ التحقيق لا يزال مفتوحاً؛ إذ تواصل الأجهزة الأمنية البحث عن عنصر وصفته الاتصالات المُعترَضة بأنه أحد كبار المنسّقين ومن أبرز المطّلعين على تفاصيل النفق والمسالك البديلة. ويُرجَّح أن يكون هذا الشخص قد غادر التراب الإسباني بعد قطع جميع اتصالاته إثر موجة الاعتقالات الأولى.
“نموذج إجرامي في طور التحوّل”
يضع هذا الكشف الأجهزةَ الأمنية الأوروبية أمام نمط جديد من التهريب المنظّم يجمع بين البنية التحتية المتطوّرة والتنظيم الهرمي المحكم وتنويع المسالك والتوظيف الذكي للتكنولوجيا، في ما يُشبه نموذج الشركات أكثر مما يُذكّر بعصابات التهريب التقليدية. وفي سياق استشراف ما هو قادم، لا تستبعد السلطات الإسبانية وجود أنفاق أو منشآت مشابهة في المنطقة ذاتها، مما يُبقي تساؤلات مشروعة مفتوحة حول الخريطة الحقيقية للجريمة المنظّمة في جنوب غرب المتوسط.

