رافق احتضان المغرب لكأس أمم إفريقيا نقاش واسع حول ما تم الترويج له عن تحكم البلد المنظم في قرارات التحكيم داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وهي أطروحات تبناها جزء من الإعلام المحلي ببعض الدول الإفريقية، إلى جانب صفحات مليونية على مواقع التواصل الاجتماعي، ساهمت في توسيع دائرة الاتهامات.
أعقب هذه الاتهامات انتقادات صادرة عن مدربي منتخبي مصر والسنغال بخصوص ظروف الإقامة والاستعداد، قبيل مباريات مصيرية، في سياق فسره متابعون على أنه محاولة لإبعاد الضغط النفسي والتأثير على الأجواء العامة للمنافسة.
وساهم هذا الخطاب في ترسيخ قناعات سلبية لدى فئات من الجماهير الإفريقية، مسيئة لصورة التنظيم المغربي، في الوقت الذي أبرزت فيع تقارير وصحف دولية مرموقة أن “كان المغرب” شكل نسخة استثنائية على مستوى البنية التحتية، والتنظيم اللوجستي، وجودة الملاعب، وظروف الاستقبال، معتبرة البطولة من بين الأفضل في تاريخ المسابقة القارية.
التباين الحاصل في التقييم دفع العديد من المتابعين إلى التساؤل حول ما إذا كان المغرب قد تعرض فعلا لحملة إعلامية ممنهجة، تهدف إلى التشويش على نجاحه التنظيمي واستهداف طموحه في احتضان تظاهرات كروية وقارية كبرى مستقبلا وخاصة كأس العالم 20230.
وقال الأستاذ الباحث في المعهد العالي للإعلام والاتصال، مهدي عامري إن الترويج المبكر لسردية “استفادة المغرب من الكولسة والفساد داخل الكاف”، ثم الانتقال لاحقا إلى تضخيم بعض النقائص التنظيمية الجزئية، ليسا معطيين معزولين، بل عنصرين ضمن استراتيجية هجوم إعلامي تستهدف إعادة تشكيل صورة البلد المنظم في وعي الرأي العام الإفريقي والدولي.
الأستاذ الباحث في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، أكد في تصريحه لصحيفة “سفيركم” الإلكترونية أن هذا النوع من الخطاب الهجومي يظهر عادة عندما يتعلق الأمر بدولة راكمت في السنوات الأخيرة رصيدا من الثقة المؤسساتية والقدرة التنظيمية، وأصبحت فاعلا مركزيا في هندسة الأحداث القارية.
وتابع أن هذه التراكمات تجعلها عرضة لما يسميه بيير بورديو ب”العنف الرمزي”، أي محاولة تقويض الشرعية عبر اللغة والصورة والتأويل، بدل المواجهة المباشرة.
ويرى عامري أن بناء على ماسبق، يمكن القول إن الاستهداف الإعلامي الذي طال المغرب لم يكن مرتبطا فقط بتنظيم الكان، بل بما يمثله هذا التنظيم من تكريس لموقع متقدم داخل حقل رياضي ـ سياسي شديد الحساسية.
وجوابا على سؤال كيف اختار المغرب تدبير هذا الاستهداف، أوضح الأستاذ الباحث في المعهد العالي للإعلام والاتصال، في حديثه ل”سفيركم” أن الدولة المغربية ومعها مؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية اختارت عدم الانخراط في خطاب تبريري أو دفاعي انفعالي، واعتمدت بدل ذلك على منطق الضبط الهادئ، وترك الإنجاز الميداني يشتغل كخطاب بديل، وهو اختيار يعكس وعيا استراتيجيا بأن الرد السريع والمشحون غالبا ما يخدم من أطلق الهجوم أكثر مما يخدم من يرد عليه.
ولفت المتحدث إلى أن جزءا مهما من الحملة الإعلامية التي وُجهت ضد المغرب اشتغلت عبر آليتين مركزيتين في الاتصال السياسي والرياضي: أولًا آلية التعميم، حيث يتم تحويل حوادث فردية أو تقييمات ذاتية لبعض الجماهير أو المنتخبات إلى “مشكلة بنيوية”، وثانيا آلية الإلحاح التكراري، أي إعادة إنتاج الفكرة نفسها بصيغ مختلفة حتى تتحول من رأي إلى شبه “حقيقة” في المخيال العام.
في المقابل، لم يكن الإعلام المغربي، في عمومه، منخرطا في مواجهة هجومية منظمة لهذه السرديات، وهو ما فسره البعض كضعف أو تقصير، وِفقا لعامري، وزاد أن القراءة التحليلية العميقة تُبرز أن هذا الخيار ينسجم مع استراتيجية تواصلية تقوم على عدم الرد على العنف الإعلامي بعنف مضاد، لما يحمله هذا الأخير من مخاطر إعادة تسويق الخطاب المعادي ومنحه شرعية التداول
المختص في التواصل، أفاد في تتمة تصريحه ل”سفيركم” أن المقارنة تُظهر أن الدول التي تنجر بسرعة إلى خطاب الدفاع المفرط غالبا ما تقع في فخ “تضخيم الخصم”، بينما اختار المغرب، مرة أخرى، و بذكاء شديد، منطق الاشتغال على الزمن الطويل، حيث تُترك الانطباعات السلبية لتتآكل تلقائيا أمام مشاهد التنظيم الجيد، وانسيابية المباريات، وتقييمات الفاعلين الرسميين داخل القارة.
وأبرز أن هذا الاختيار يبرز بوضوح سياسة “الذراع الممدودة للخصم” كخيار تواصلي يتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى كونه ممارسة رمزية تُفرغ الهجوم من محتواه التصعيدي؛ مفسرا أن عدم الرد لا يعني القبول، بل يعني إدارة الصراع من موقع الثقة، والرهان على أن الهدوء المؤسساتي أكثر نجاعة من السجال الإعلامي المفتوح.
ويضع هذا الخيار الإعلام المغربي بحسب عامري، أمام تحدٍ مزدوج: من جهة، تفادي الانخراط في خطاب شعبوي دفاعي يضر بالمصداقية، ومن جهة أخرى تطوير موقف رسمي تفسيري وتحليلي قادر على تفكيك السرديات المعادية بهدوء، دون السقوط في منطق الاستقطاب الحاد.

